Collector
معادلة الحكم بإقليم كوردستان.. من التصادم المسلح إلى الحرب الباردة | Collector
معادلة الحكم بإقليم كوردستان.. من التصادم المسلح إلى الحرب الباردة
Shafaq News

معادلة الحكم بإقليم كوردستان.. من التصادم المسلح إلى الحرب الباردة

علي حسين فيلي/ يصعب على المراقب الأجنبي ان يعرف بأن تجربة الحكم في اقليم كوردستان تمثل صورة لا تقبل الجدل وراسخة للمعادلة المتعددة الأبعاد وشديدة التعقيد التي لا تسير فيها السلطة السياسية على ايقاع ديمقراطية راسخة. بل تميل نحو نموذج متصلب يتأرجح بين قطبي السلطة (الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني). وهذا الوضع الحساس، حول المؤسسات الوطنية في هذا الكيان من كونها مظلة شاملة وجامعة الى ساحة مفتوحة للتنافس من أجل ترسيخ وتعميق النفوذ الحزبي والرسمي. والنتيجة الحتمية لهذه الأوضاع هو الانقسام الذي نراه اليوم: مؤسسات وحكومة نراها على أرض الواقع منقسمة الى ادارتين لكل منهما تسليحه وماليته واجهزته الامنية المستقلة. وهذا التوجس العميق والاستراتيجي، لا ينبع من البيئة السياسية الحالية، بل نتاج وإرث مباشر للحرب الأهلية في نهاية القرن الماضي والتي لم يتمّ محو آثارها في الوعي السياسي للقيادات الحالية. إن العمل السياسي لدى هذين القطبين لا يزال ينظر إليه من منطلق ان صعود وتعزيز مكانة أي قطب على أنه إقصاء او تحجيم مكانة القطب الاخر. وفي ظل هذه البيئات التي تنحدر فيها الثقة السياسية الى ادنى مستوياتها، فإن إبداء أية مرونة تكتيكية او تنازل مؤقت يصنف لدى الطرف الاخر بانه تراجع استراتيجي وعلامة على الضعف، وليس كفرصة للتوصل لاتفاق، وهذا الواقع يزيد و يفاقم خطوط الانقسام الإداري التاريخي  ويجعل الإقليم فعليا  تحت وطأة منطقتين (صفراء وخضراء). ان هذا الصراع الداخلي مرتبط عضويا باجندات وديناميكيات القوى الاقليمية النافذة (بغداد، أنقرة وطهران). ومن هنا فإن قراءة واقعية للمشهد تخبرنا بأن انهاء الازمات الداخلية مستحيلة بالاعتماد على العامل الخارجي، لأن كل طرف في المعادلة يريد تعزيز ثقله ومكانته الداخلية عن طريق التحالف الخارجي ضد خصمه الداخلي. ها قد مرت سنتان على إجراء الانتخابات البرلمانية في اقليم كوردستان، ويبرز السؤال الجوهري: ما التغيير الذي أحدثته صناديق الاقتراع؟ في وقت يثبت الواقع الميداني أن العملية الديمقراطية أدت إلى مزيد من الركود والانسداد، ولم تكن مخرجا للإصلاح. فصناديق الاقتراع لم تحدث تغييرا جذريا في بنية السلطة، والشيء الوحيد الذي تغير هو تحول الصراع من قوالب التصادم المسلح التقليدي الى مرحلة الحرب الباردة. إن هذا الانسداد الداخلي أصبح سببا للتآكل البطيء والمستمر لمكانة الإقليم الدستورية والقانونية أمام السلطة المركزية في بغداد. إن الخلاف الحاد بين القطبين حول قانون الانتخابات، وحصة الأقليات (الكوتا)، واحتكار الإيرادات، دفع الأطراف نحو احالة المشكلات الداخلية امام المحكمة الاتحادية العليا في بغداد. وهذا يعد مفارقة  نادرة و تناقضا في السياسة، لأنّ اللجوء الى المركز من أجل حسم الخلافات الداخلية يجعل من بغداد حكما ومشرفا وصاحب القرار النهائي في القضايا، وهذا يسرع من عملية تجريد بطيء لاقليم كوردستان من الاستقلال الاتحادي الفيدرالي و الحكم الإداري الذاتي. وعلى الصعيدين الاجتماعي والسياسي، فإنه في مواجهة الأزمات الاساسية مثل الرواتب والازمة المالية تتراجع الشعارات القومية والايديولوجية. وأثبتت التطورات بأنّ الجيل الجديد من المجتمع الكوردي في الاقليم لا يكتفي بالارث التاريخي لوحده وأن مطالبه في هذه المرحلة لا تختلف عن مطالب الشارع العراقي وباقي شعوب العالم والتي تنحصر في توفير فرص العمل والعدالة الاجتماعية وتحطيم الاحتكار الاقتصادي. ان الانسداد السياسي الحالي في اقليم كوردستان وشلل المؤسسات القانونية لهي اشارة الى فجوة عميقة بين صراعات القوى والواقع المعيش للناس. وفي حين يواجه الحزب الديمقراطي الكوردستاني - كونه صاحب الأغلبية الادارية والبرلمانية والتنفيذية في مؤسسات الإقليم - المسؤولية الأكبر في إبداء المرونة واحتواء الشركاء السياسيين، نجد بالمقابل الاتحاد الوطني الكوردستاني باعتماده على ثقله العسكري ونفوذه الجغرافي، يصرُّ على الحفاظ على المعادلة التاريخية المناصفة (50/50) وليس على استعداد للخضوع للتغييرات الرقمية والمعايير الجديدة التي تمخضت عن نتائج صناديق الاقتراع. هذه المعضلة بالاضافة الى انبثاق جيل جديد من القيادات على مستوى الحزبين ساهمت في زيادة تعقيدها بشكل أكبر بحيث أن الصراعات تحولت من أبعادها القومية والوطنية الى التنافس الشرس على السيطرة على مفاصل السلطة واحتكار مصادر الثروة والإيرادات.

Go to News Site