صحيفة البلاد البحرينية
جامع الفاضـــل.. مسجد يحـــرس تاريـــخ المنامــــة منذ 1768 84 مأتمــا في المنامـــة.. 46 منهـــا للنســـاء شمعـــون كوهيــن تاجـــر اللؤلؤ الــــذي أســــس الكنيـــس بالعـــــام 1935 معبــد هندوسي عمره أكثر من 200 عام في قلب المنامة الكنيسة الإنجيلية.. حضور يعود إلى العــام 1893 1940 كنيسة القلب المقدس فتحت أبوابها في عاصمة التسامح عاصمة الخليج الأكثر ازدحاما بالتسامح الديني المنامــة هزمــت ريـــــاح التطــــــــرف بالتعايـــــــش مدينـــة عجنــت بطينـــة المحبــــة والانفتـــاح التعايش هو الطوق الذي يحرس مدينة المنامة، والتسامح هو طوق الياسمين الذي يطوّق عنقها ويمنحها تلك السمة الرائعة المتفردة على مستوى الخليج، أي أن توصف المنامة بـ “عاصمة التعايش والتسامح الخليجية”، التي لا تشبهها مدينة أخرى في مجلس التعاون العربي. وفي هذه المدينة العتيقة، لا تبدو ثقافة التعايش والتسامح فكرة عابرة أو شعارا سياسيا يرفع في المناسبات، بل تبدو كأنها جزء من هندسة المكان، وروح تسري في الشوارع والأزقة والأسواق القديمة، حتى تكاد ترى أن هذه المدينة عجنت بطينة التسامح والتعايش. ثقافة الحب والعيش المشترك والحرية الدينية لكل إنسان، بكامل لياقتها وأناقتها وجمالها في المنامة، تتجوّل في جميع أرجاء العاصمة، من أحيائها القديمة إلى أسواقها التاريخية، ومن مآذن مساجدها إلى أجراس كنائسها، وصولا إلى مآتمها وحسينياتها، حتى معابدها وكنسها. هي ليست مجرد مفهوم نظري، بل شال من الياسمين يزين جسد المنامة، ويمنحها تلك الصورة التي جعلتها على الدوام مدينة مختلفة عن غيرها من المدن. ثقافةٌ تعلو فوق حدود اللغة والجغرافيا والانتماءات الضيقة، تنبعث منها رائحة البحرين الأصيلة، وتخاطب العالم بلغة الإنسان قبل أي شيء آخر. ولهذا؛ فإن المعاني المرتبطة بالتسامح والتعايش لا تقرأ فقط في الكتب والخطابات، وإنما ترى بالعين المجردة في الأبنية والطرقات والأسواق والمساجد والمآتم والكنائس والمعابد. والمبدع الحقيقي هو ذلك الذي يستطيع التقاط هذه الروح وصياغتها في قوالب جديدة ومدهشة تحفظ ذاكرة المكان وتنقلها إلى العالم. ثقافة لا تنام ولا تنعس ثقافة التعايش والتسامح في المنامة لا تنام ولا تنعس، فإذا تجولت في العاصمة القديمة عليك أن تلتقط جهة الريح؛ لأن الهواء نفسه مشبع بروح الألفة والمحبة والتسامح منذ مئات الأعوام. هذه السمة المتجذرة في وجدان المجتمع البحريني منعت، على مر الزمن، رياح التطرف من الهبوب على المدينة، وجعلت التعايش بندا دائم الحضور في الحياة البحرينية، سواء على مستوى المجتمع البحريني عموما أو المجتمع المنامي خصوصا. ولهذا لم تكن المنامة يوما مدينة مغلقة على نفسها، بل ظلت مدينة مفتوحة للأديان والثقافات واللغات والأعراق المختلفة، تستقبل الجميع دون أن تفقد هويتها، بل كانت تزداد غنى كلما ازداد تنوعها. مآذن تحفظ ذاكرة العاصمة وفي المنامة، لا تبدو المساجد مجرد أماكن للصلاة، بل تبدو كأنها ذاكرة قائمة فوق الأرض، تحفظ تاريخ المدينة وتحرس روحها منذ مئات الأعوام. ومن أبرزها مسجد المهزع، والمؤمن، والخواجة، ومن أشهرها جامع الفاضل، أو ما يعرف بالجامع الشرقي، الذي يعد واحدا من أقدم وأشهر المساجد التاريخية في العاصمة. وقد تأسس جامع الفاضل في قلب المنامة قبل العام 1182 هجريا الموافق 1768 ميلاديا، على يد مجموعة من أسرة آل فاضل برئاسة الشيخ علي بن خليفة آل فاضل. وخضع الجامع عبر العقود لعمليات تجديد وتوسعة مهمة عديدة، كان أبرزها في العام 1921، ثم عمليات إعادة بناء وتطوير لاحقة حافظت على مكانته التاريخية والدينية في قلب العاصمة. ولا ينظر إلى جامع الفاضل بوصفه مسجدا للصلاة فقط، بل بوصفه جزءا من ذاكرة المنامة القديمة، ومن المشهد الروحي والاجتماعي الذي حافظت عليه المدينة عبر أجيال طويلة. وفي المنامة القديمة، تنتشر المساجد بين الأسواق والفرجان والأحياء القديمة، حتى تبدو المآذن وكأنها جزء من المشهد اليومي للعاصمة؛ تُعانق البيوت والأسواق والطرقات، وتؤكد أن الدين في البحرين ظل دائما مرتبطا بالمحبة والاعتدال والانفتاح. نبض اجتماعي وثقافي وإذا كانت المساجد تمثل الذاكرة الروحية للمنامة، فإن المآتم والحسينيات تمثل أحد أبرز وجوهها الدينية والاجتماعية والثقافية والوجدانية؛ فالمنامة التاريخية امتلأت بكثافة كبيرة من المآتم، حتى وصل عددها التقريبي إلى 84 مأتما، من بينها 46 مأتما للنساء، وهو رقم يعكس عمق الحضور الاجتماعي والديني والثقافي لهذه المؤسسات في قلب المجتمع البحريني. وفي هذا المأتم يمارس المواطنون والمقيمون شعائرهم وطقوسهم بكل حرية، بدءا من إحياء مناسبات وفيات وموالد أهل البيت عليهم السلام، ووصولا إلى تنظيم المواكب الحسينية في مختلف المناسبات، بمختلف أشكالها، سواء اللطم أو الزنجيل أو التشابيه أو التطبير. من عمر المدينة ولا يمكن فصل المساجد والمآتم عن عمر المدينة نفسها؛ لأن هذه المعالم لم تكن يوما مجرد مبانٍ دينية، بل كانت جزءا من تكوين المنامة الاجتماعي والإنساني منذ نشأتها الأولى؛ فالمساجد والمآتم في العاصمة القديمة عاشت مع الناس تفاصيل حياتهم اليومية، ورافقت أفراحهم وأحزانهم، وكانت شاهدة على تحولات المدينة عبر مئات السنين. ومن داخل هذه المساجد والمآتم خرجت الحكايات والذكريات والعادات الاجتماعية والروابط الإنسانية التي شكلت هوية المنامة، حتى باتت هذه المعالم تبدو كأنها تنبض مع المدينة نفسها، وتتنفس بإيقاعها ذاته. ولهذا فإن عمر المساجد والمآتم من عمر المنامة ذاتها؛ لأنها لم تكن مجرد معالم معمارية، بل كانت قلبا اجتماعيا وثقافيا وروحيا حافظ على روح العاصمة البحرينية عبر القرون. ليس جمادا بل تاريخ وفي زاوية أخرى، فإنه لا يمكن النظر إلى باب البحرين بوصفه مجرد معلم تاريخي معلّق على جيد المنامة، أو شعار يرمز للبحرين كجماد فحسب؛ فشارع باب البحرين الممتد من معلم باب البحرين بشكل طولي حتى الكنائس القديمة ليس شارعا من الأسمنت والحجارة فقط، وليس مجرد أبنية وطرقات ومحالّ تجارية، بل هو كلام من تاريخ، وسردية طويلة من الأصالة والحضارة والعيش المشترك. إذا طفت في هذا الشارع، يمكنك أن تسمع ضجيج الأصالة، وأن تشعر بأن الجدران نفسها تتحدث عن تاريخ البحرين، وعن الناس الذين مروا من هنا، وعن الطوائف والأديان والثقافات التي عاشت جنبا إلى جنب دون أن يُقصي أحد الآخر. هذا التاريخ لا يمكن أن يتحول إلى جماد يرمز إلى حقبة وانتهت؛ لأن شارع باب البحرين ما يزال حيا حتى اليوم، ينبض بالروح القديمة ذاتها، ويحمل في تفاصيله اليومية ملامح المجتمع البحريني المتسامح. وحين تتجوّل في هذا الشارع، يأخذك عبقه إلى تاريخ يمتد أكثر من 250 عاما؛ فالذي كان موجودا في هذا المكان قبل قرنين ونصف القرن ما يزال حاضرا على شاشة الواقع حتى الآن، وكأن الشارع يرفض أن يقطع صلته بالماضي. ولهذا يبدو شارع باب البحرين كأنه دورة الدماء التي تتحرك في جسد البحرين الجميلة؛ فهو شارع يرتكز على وشائج المحبة والتآلف، ويحتضن مختلف الديانات والثقافات، ويمكن لأي إنسان أن يرى عبقرية التسامح منذ اللحظة الأولى التي يطوف فيها داخل هذا الشارع العريق. 690 عاما المنامة ليست مدينة طارئة على التاريخ، هذه العاصمة التي يبلغ عمرها اليوم نحو 690 عاما ظلت طوال هذه القرون رمزا لـ “الكوكتيل” الثقافي والديني الذي يميز البحرين عن محيطها الخليجي. ومن قلب هذه المدينة يبدأ شارع باب البحرين، الذي ينطلق من مبنى باب البحرين التاريخي، وهو المبنى القائم في ساحة الجمارك في الحي التجاري المركزي القديم للعاصمة. وقد مثّل هذا المبنى على الدوام المدخل الرئيس إلى سوق المنامة، وبالطبع إلى الشارع الذي حمل اسمه لاحقا. وكان باب البحرين في الماضي قريبا جدا من حافة البحر قبل عمليات الدفن والتوسع العمراني، إلا أن استصلاح الأراضي الواسع الذي شهدته العاصمة في العقود الأخيرة جعل البحر يبتعد عشرات الأمتار نحو الشمال، بينما ظل باب البحرين محافظا على مكانته كواحد من أهم الرموز التاريخية في البلاد. جزء من الذاكرة في بداية شارع باب البحرين، يظهر الحضور اليهودي بوصفه جزءا من الذاكرة التجارية والاجتماعية للعاصمة؛ فالتجار اليهود كانوا موجودين في هذا الشارع منذ زمن طويل، وتشير الوثائق البريطانية إلى وجودهم في المنطقة منذ العام 1872، بينما توجد وثيقة محلية للحاج عبدالنبي محمد علي صفر تؤكد أن وجود اليهود في هذه المنطقة يعود إلى العام 1862. هذا الحضور اليهودي لم يكن حضورا هامشيا أو عابرا، بل كان جزءا من الحركة التجارية والاقتصادية التي عرفتها المنامة في تلك الفترة، خصوصا مع ازدهار تجارة اللؤلؤ والأسواق القديمة. وما يزال هذا الحضور حاضرا حتى اليوم في ذاكرة الشارع عبر بعض الأسماء التجارية المعروفة، ومن بينها “صرافة نونو” الشهيرة، التي ترتبط بأحد التجار اليهود البحرينيين وهو إبراهيم نونو الذي يشغر حاليا منصب رئيس مجلس أمناء كنيس الوصايا العشر والمجتمع اليهودي في الخليج. معبد الهندوس وعلى الشارع ذاته، وعلى بعد أمتار قليلة من المحالّ التجارية التي تعود للتجار اليهود، يقف معبد الهندوس المركزي المعروف باسم “كرستيا تمبلد”. هذا المعبد الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى أكثر من 200 عام ما يزال حتى اليوم شاهدا على عمق العلاقة التاريخية بين البحرين والهند. وعندما تدخل هذا المعبد، تستقبلك منذ اللحظة الأولى لافتة كبيرة يفتخر فيها أبناء الطائفة الهندوسية بأن معبدهم أُسس قبل قرنين من الزمن، وأنه ما يزال قائما حتى الآن، تمارس فيه الشعائر والعبادات بكل حرية. ويرجع وجود هذا المعبد منذ تلك الحقبة المبكرة إلى طبيعة العلاقة الوثيقة والمتينة التي جمعت البحرين بالهند، وهي العلاقة التي بدأت أساسا من تجارة اللؤلؤ الطبيعي والذهب، قبل أن تتحول لاحقا إلى علاقة إنسانية واجتماعية عميقة. ولهذا انتقلت عائلات هندية كثيرة إلى البحرين منذ عقود بعيدة، واستقرت فيها وأسهمت في بناء الحياة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. ويصل عدد الهنود في البحرين اليوم إلى نحو 350 ألف نسمة، نصفهم تقريبا من الطائفة الهندوسية، وفقا لما ذكره رئيس الطائفة الهندوسية في البحرين فيجي كومار شاستري. ورئيس الطائفة الهندوسية لا يدخر جهدا في التعبير عن اعتزازه بكون الهندوس جزءا من المكوّن المجتمعي البحريني، ويستذكر باستمرار كيف وقف البحرينيون مع أبناء الجالية الهندية في لحظات تاريخية مهمة، ومن بينها وفاة المهاتما غاندي بالعام 1948، حين حضر البحرينيون إلى المعبد لتقديم واجب العزاء والبكاء على رحيله. قبب ومنارات شاهقة وإذا واصلت المسير بالقدم إلى نحو 100 متر للأمام سترى وجود مأتم القصاب وهو مأتم يرجع إلى عائلة العلوي الكريمة أُسس في السنة 1881، وبعده يأتي مسجد الخواجة، ومن ثم مأتم العجم، وفي هذا المأتم تمارس الجالية العجمية شعائرها الثقافية والاجتماعية والدينية بكل حرية ويسر، في صورة أخرى من صور التعدد الذي عرفته المنامة عبر تاريخها الطويل. ويقع مأتم العجم في فريق المخارقة بالعاصمة المنامة، وقد أسسه عدد من عجم البحرين، ويحتمل أن تاريخ بنائه يعود إلى العام 1905. أجراس الكنائس وفي نهاية شارع باب البحرين، تبرز الكنائس القديمة بوصفها المشهد الذي يختتم حكاية الشارع، لكنه في الوقت نفسه يفتح بابا جديدا لفهم معنى التعايش البحريني. فهناك الكنيسة الكاثوليكية، كنيسة القلب المقدس، وإلى جوارها الكنيسة الإنجيلية التي تم إنشاؤها في أواخر القرن التاسع عشر، وتحديدا في العام 1893، على يد المبشرين الأميركيين. أما كنيسة القلب المقدس فقد تم بناؤها في العام 1940 على أيدي ثلاث عائلات بحرينية تعود أصولها إلى الهند والعراق، بينما كان مصمم الكنيسة كاهنا إيطاليا يُدعى ماغلغيان. وتشير الوثائق التاريخية إلى أن أول عائلة كاثوليكية وصلت إلى البحرين كانت عائلة دياس القادمة من الهند بالعام 1919، ثم تبعتها عائلتا تومنا وأوجي القادمتان من العراق في العام 1920. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الكنائس جزءا طبيعيا من المشهد البحريني، تمارس فيها الجاليات المختلفة عباداتها بكل حرية، في صورة تؤكد أن المنامة لم تكن يوما مدينة تخشى التنوع، بل مدينة تبني جمالها من هذا التنوع نفسه. حضور قديم في الذاكرة وفي جانب آخر، من الشواهد المهمة على الحضور اليهودي في العاصمة، الكنيس اليهودي المعروف باسم “بيت الوصايا العشر”. وقد تأسس هذا الكنيس في العاصمة المنامة بالعام 1935 على يد تاجر اللؤلؤ اليهودي الإيراني شمعون كوهين، ليصبح واحدا من أبرز الرموز الدينية التي تعكس طبيعة المجتمع البحريني المنفتح على مختلف الأديان. وجود الكنيس في قلب العاصمة لم يكن يوما أمرا مستغربا بالنسبة للمجتمع البحريني؛ لأن المنامة اعتادت منذ القدم على احتضان الجميع، وعلى منح مختلف الطوائف الدينية مساحة لممارسة عباداتها وشعائرها بكل حرية واحترام. المنامة.. الحكاية التي لا تنتهي وفي النهاية، تبدو المنامة وكأنها مدينة كتبت بالحبر ذاته الذي كتبت به قصائد المحبة القديمة. مدينة لا ترى في اختلاف الناس تهديدا، بل ترى فيه ثراء إنسانيا يضيف إلى روحها مزيدا من الجمال. ولهذا ظلت العاصمة البحرينية، طوال قرون، مدينة يحرسها التعايش، ويزيّن عنقها الياسمين، وتبقى فيها روح التسامح حاضرة في الشوارع والأسواق والمآذن والكنائس والمآتم والمعابد، كأنها الوصية الأجمل التي تركها الآباء للأبناء عبر الزمن.
Go to News Site