Collector
أبعاد | سوق العمل البحرينية.. توليد الوظائف على ثلاثة مسارات متشابكة | Collector
أبعاد | سوق العمل البحرينية..  توليد الوظائف على ثلاثة مسارات متشابكة
صحيفة البلاد البحرينية

أبعاد | سوق العمل البحرينية.. توليد الوظائف على ثلاثة مسارات متشابكة

المشكلة في سوق العمل ليست نقص الوظائف بل ضعف الوظائف النوعية المجزية التنويع الاقتصادي الحقيقي يقاس بخلق وظائف بحرينية عالية القيمة والأجر الاعتماد على العمالة منخفضة الكلفة يبعد النمو عن احتياجات المواطنين البحرنة المطلوبة اليوم نوعية في الوظائف المالية والتقنية والهندسية المتقدمة دعم التوظيف مهم لكن الإصلاح يبدأ بإعادة هيكلة سوق العمل ربط الحوافز وتمويل زتمكينس بجودة الوظائف قد يغيّر التوظيف السعودية والإمارات تمثلان فرصة استراتيجية للكفاءات البحرينية خليجيا نجاح الإصلاح الاقتصادي يعتمد على وظائف منتجة ورواتب وفرص أفضل تواجه البحرين اليوم تحديا مزدوجا: حماية الاقتصاد من آثار العدوان الإيراني الآثم والاضطراب الإقليمي، وفي الوقت نفسه معالجة خلل أعمق في سوق العمل؛ فالإجراءات العاجلة مثل تأجيل الأقساط، ودعم الرواتب، ومساندة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ضرورية لحماية السيولة ومنع التعثر، لكنها لا تعالج السؤال المركزي: لماذا يخلق الاقتصاد البحريني وظائف كثيرة، بينما تبقى الحاجة قائمة إلى دعم توظيف المواطنين وأجورهم؟ الإجابة أن الخلل ليس في عدد الوظائف فقط، بل في نوعيتها؛ إذ تشير بيانات سوق العمل إلى أن العمالة غير البحرينية في القطاع الخاص تجاوزت 654 ألف عامل في نهاية 2025، مقابل نحو 157 ألف بحريني يعملون في القطاعين العام والخاص معا؛ ما يعني أن القطاع الخاص ما يزال قائما إلى حد كبير على نموذج كثيف العمالة الأجنبية منخفضة الكلفة. ثلاثة مسارات يطرحها الباحثون والمتخصصون لمعالجة هذا الوضع: أولا: التنويع الاقتصادي المطلوب ليس تنويع قطاعات فقط بل تنويع إنتاجية وأجور حققت البحرين تقدما واضحا في تقليص الاعتماد المباشر على النفط؛ إذ بلغت مساهمة الأنشطة غير النفطية نحو 84.8 % من الناتج المحلي الحقيقي في الربع الأول 2025، وهي نسبة مرتفعة خليجيا، لكن هذه النسبة لا تكفي وحدها للحكم على جودة التنويع؛ فالاختبار الحقيقي هو: هل تنتج هذه القطاعات وظائف بحرينية مجزية؟ هنا تظهر الفجوة بين “تنويع الناتج” و “تنويع فرص العمل”. القطاع المالي مثال مهم؛ فهو أكبر مساهم في الناتج المحلي الحقيقي إذ بلغت مساهمته 17.4 % في 2025، بينما جاءت الصناعة التحويلية ثانية بنسبة 14.4 %. وفي تقرير 2025 السنوي، ظل القطاع المالي والتأمين في الصدارة، تليه الصناعة التحويلية. هذه القطاعات أعلى إنتاجية من قطاعات مثل التشييد أو الخدمات منخفضة المهارة، ولذلك فإن توجيه النمو نحوها يعني خلق وظائف في الامتثال، والمخاطر، والاستثمار، والتقنية المالية، والتأمين، وإدارة الثروات، وسلاسل الإمداد الصناعية. لكن المشكلة أن قطاعات كثيفة العمالة الأجنبية ما تزال تمتص الجزء الأكبر من التوظيف في القطاع الخاص؛ فبيانات سوق العمل تشير إلى أجر وسيط للبحرينيين في القطاع الخاص بحدود 476 دينارا في سبتمبر 2025، وهو رقم يكشف عن أن جزءا واسعا من الوظائف ما يزال دون مستوى الدخل المجزي، حتى لو ارتفع متوسط الأجر العام. وهذا يعني أن المشكلة ليست فقط في خلق فرص عمل، بل في خلق فرص ذات قيمة مضافة وأجر صاعد ومسار مهني. التجربة العالمية تؤكد ذلك: - سنغافورة، وهي اقتصاد صغير ومفتوح مثل البحرين، لم تبنِ تنافسيتها على العمالة الرخيصة، بل على قطاعات الخدمات المالية، واللوجستيات المتقدمة، والتعليم التقني، والصناعات عالية القيمة. - ايرلندا جذبت شركات التكنولوجيا والدواء العالمية، لكنها ربطت ذلك بالتعليم والمهارات والضرائب التنافسية. - الإمارات انتقلت من مركز تجارة تقليدية إلى مركز مالي، وسياحي، ولوجستي ورقمي، مع مناطق حرة متخصصة وسياسات جذب للمواهب. الدرس للبحرين أن التنويع الناجح لا يقاس بعدد السجلات أو المشاريع، بل بنسبة الوظائف التي تدفع أجورا جيدة وتستخدم مهارات وطنية. لذلك؛ يجب إعادة تصميم الحوافز الاقتصادية. لا ينبغي أن يحصل مشروع يعتمد على 300 عامل منخفض الأجر على الامتيازات نفسها التي يحصل عليها مشروع يوظف 50 بحرينيا في وظائف تقنية أو مالية أو صناعية متقدمة. المطلوب أن ترتبط الحوافز الحكومية، وأراضي الصناعة، وتمويل “تمكين”، والمناقصات، بثلاثة مؤشرات: عدد البحرينيين في الوظائف النوعية، ومتوسط أجرهم، ونسبة ترقيتهم بعد سنتين أو ثلاث سنوات. ثانيا: سوق العمل تعاني بطالة هيكلية لا بطالة عادية البطالة الهيكلية تعني أن الوظائف موجودة، لكن مواصفات الوظائف لا تتطابق مع مهارات وتطلعات المواطنين. وهذا ينطبق بوضوح على البحرين؛ فوجود أكثر من 470 ألف عامل أجنبي في القطاع الخاص يعني أن الاقتصاد لا يعاني نقصا في طلب العمل، بل يعاني اختلالا في نوعية الطلب. السوق تطلب عمالة منخفضة الكلفة، بينما المواطن يحتاج وظيفة مستقرة بأجر ومسار مهني. دور “تمكين” ووزارة العمل هنا أساسي، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن حجم الخلل؛ فخطة “تمكين” للعام 2025 تستهدف دعم 50 ألف بحريني و9 آلاف مؤسسة، وفي 2025 أعلن “تمكين” دعم أكثر من 52,900 فرصة للبحرينيين. هذه أرقام كبيرة ومهمة، لكنها تطرح سؤالا اقتصاديا: لو كانت السوق تنتج وظائف مجزية تلقائيا، فلماذا نحتاج إلى هذا الحجم المستمر من دعم الأجور والتدريب والتوظيف؟ كما أن خطة “تمكين” للعام 2026 تشير إلى أن متوسط أجر البحرينيين في القطاع الخاص بلغ 892 دينارا في الربع الثالث 2025، وهو رقم إيجابي، لكنه لا يلغي حقيقة أن الأجر الوسيط أقل بكثير. الفرق بين المتوسط والوسيط مهم اقتصاديا؛ لأنه يعني أن الأجور العالية في بعض القطاعات ترفع المتوسط، بينما يبقى عدد كبير من العاملين عند مستويات أقل. هنا يجب أن يتحول مفهوم البحرنة من “بحرنة عددية” إلى “بحرنة نوعية”. في البنوك، لا يكفي أن تكون نسبة البحرنة مرتفعة في الوظائف الإدارية، بل يجب قياس البحرنة في وظائف الخزانة، والمخاطر، والامتثال، والاستثمار، والتقنية المالية، والأمن السيبراني. وفي الاتصالات يجب قياسها في هندسة الشبكات، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، وإدارة المنتجات الرقمية. وفي اللوجستيات يجب قياسها في إدارة سلاسل الإمداد، والتخليص، والتخطيط، وإدارة الموانئ. أيضا هناك نحو 40 ألف وظيفة تتجاوز رواتبها 600 دينار. لذلك؛ الإصلاح العملي يتطلب خمس أدوات: أولا، خريطة وطنية للوظائف القابلة للإحلال في 3 سنوات. ثانيا، إلزام الشركات الكبرى بخطط تعاقب وظيفي للبحرينيين. ثالثا، ربط المناقصات الحكومية بمؤشر البحرنة النوعية لا بعدد البحرينيين فقط. رابعا، رفع تدريجي ومدروس لكلفة العمالة منخفضة المهارة مع حماية المؤسسات الصغيرة. خامسا، تحويل دعم “تمكين” من دعم وظيفة إلى دعم مسار مهني، بحيث لا تقاس النتيجة بعدد المستفيدين بل ببقاء الموظف، وارتفاع أجره، وترقيته. ثالثا: السوق الخليجية يجب أن تصبح امتدادا لسوق العمل البحرينية السوق البحرينية صغيرة، ولذلك لا يمكن أن يكون الحل محليا بالكامل. التكامل الخليجي في سوق العمل يجب أن يكون جزءا رئيسا من استراتيجية التوظيف الوطني. نظريا، الاتفاقية الاقتصادية الخليجية تنص على إزالة العوائق أمام انتقال العمالة الوطنية بين دول المجلس، واحتساب مواطني دول المجلس ضمن نسب التوطين في الدولة المضيفة، لكن التطبيق ما يزال محدودا. الأرقام تثبت الفجوة بين النص والتطبيق؛ ففي 2024 بلغ عدد مواطني دول المجلس العاملين في القطاع الخاص بدول خليجية أخرى نحو 33 ألف مواطن فقط، وبلغ عددهم في القطاع العام نحو 11.2 ألف. هذه الأرقام محدودة جدا قياسا بسوق عمل خليجية تضم ملايين الوظائف ومشروعات عملاقة، خصوصا في السعودية والإمارات. السعودية تحديدا تمثل فرصة استراتيجية للبحرين؛ فقد بلغ عدد مواطني دول الخليج العربي العاملين في القطاع الخاص السعودي 21 ألفا في 2024، وكان البحرينيون يشكلون 48.8 % منهم، وهي نسبة لافتة تؤكد أن الكفاءة البحرينية مقبولة ومطلوبة في السوق السعودية، لكن الرقم نفسه يكشف عن أن الإمكانات غير مستغلة؛ فالسعودية، في ظل رؤية 2030، تخلق طلبا ضخما للمهارات المالية، والهندسية، والتقنية، والسياحية، واللوجستية والإدارية. الإمارات أيضا تمثل سوقا طبيعية للكفاءات البحرينية، خصوصا في المصارف، والتأمين، والاستثمار، والطيران، والتكنولوجيا المالية، والاستشارات. وجود مئات البحرينيين في السعودية والإمارات مؤشر مشجع، لكنه ما يزال حركة فردية أكثر منه سياسة وطنية منظمة. المطلوب تحويل انتقال الكفاءات البحرينية إلى مشروع اقتصادي مؤسسي. إطلاق منصة خليجية لسوق العمل المقترح العملي هو إنشاء جهة عليا، أو وحدة متخصصة داخل وزارة العمل أو غرفة تجارة وصناعة البحرين، تعمل بالتنسيق مع اتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي لإطلاق منصة خليجية للوظائف النوعية. هذه المنصة لا تكون مجرد موقع إعلانات، بل قاعدة بيانات للمهارات البحرينية، وربط مباشر مع الشركات الخليجية الكبرى، وبرامج اعتماد مهني، ومتابعة للعقود، والتأمينات، والانتقال الوظيفي. كما يجب الدفع نحو “جواز مهني خليجي” في قطاعات محددة: المصارف، والمحاسبة، والتأمين، والتقنية، والهندسة، واللوجستيات. العائق اليوم ليس قانون العمل فقط، بل اختلاف أنظمة التقاعد، والاعتماد المهني، والتأمينات، ومتطلبات التوطين المحلية. لذلك فإن التكامل الحقيقي يحتاج أدوات تنفيذية لا بيانات عامة. الخلاصة المشكلة في البحرين ليست أن الاقتصاد لا ينمو، بل أن جزءا من النمو لا ينتج الوظائف التي يحتاجها المواطن. لذلك فإن حماية الشركات في الأزمات ضرورية، لكن الإصلاح الأعمق يجب أن يستهدف بنية النمو وسوق العمل. المسارات الثلاثة مترابطة: اقتصاد عالي القيمة، وبحرنة نوعية داخل القطاعات ذات الإنتاجية، وسوق خليجية مفتوحة فعليا أمام الكفاءات البحرينية. من دون ذلك، سيبقى الدعم يعالج النتائج، بينما يبقى أصل الخلل قائما.

Go to News Site