صحيفة البلاد البحرينية
تحتفل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في الخامس والعشرين من مايو بالذكرى الخامسة والأربعين لتأسيس المجلس، الذي انطلق عام 1981 كإطار خليجي جامع للتنسيق والتكامل والترابط بين دوله وشعوبه، قبل أن يتحول خلال أكثر من أربعة عقود إلى منظومة إقليمية راسخة تجمع بين الأمن والتنمية والازدهار، وتؤكد أن قوة الخليج تكمن في وحدته وتماسكه ومصيره المشترك. وتأتي هذه الذكرى بوصفها محطة لاستذكار الرؤية الثاقبة للقادة المؤسسين، الذين أدركوا مبكرًا أن توحيد الجهود الخليجية يمثل ضرورة لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية، وحماية الاستقرار، وتعزيز التنمية الشاملة. فمنذ القمة الخليجية الأولى، ترسخت مسيرة العمل المشترك في مختلف المجالات الاقتصادية والمالية والتجارية والتعليمية والصحية والاجتماعية والأمنية، بما جعل المجلس واحدًا من أبرز نماذج التعاون الإقليمي الناجح. وعلى امتداد 45 عامًا، لم تبقَ فكرة التعاون الخليجي مجرد إطار للتنسيق، بل تحولت إلى واقع مؤسسي انعكس على حياة المواطن الخليجي بصورة مباشرة، من خلال تسهيل التنقل والعمل والتملك والاستثمار والتعليم والرعاية الصحية بين دول المجلس، إلى جانب منجزات نوعية في السوق الخليجية المشتركة، والاتحاد الجمركي، والربط الكهربائي، والبنية التحتية، والتحول الرقمي، والأمن الغذائي، وغيرها من القطاعات الحيوية. وتأتي الذكرى هذا العام وسط مؤشرات اقتصادية وتنموية لافتة، تكشف حجم التحول الذي حققته دول المجلس، وقدرتها على ترسيخ حضورها كقوة مؤثرة إقليميًا وعالميًا، في وقت تتزايد فيه التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، بما يجعل من العمل الخليجي المشترك ضرورة استراتيجية لحماية المكتسبات، وتعزيز الاستقرار، ودعم التنمية الشاملة. وبحسب البيانات الصادرة عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الجاري لدول المجلس نحو 2.4 تريليون دولار في عام 2025، بما يضع الاقتصادات الخليجية ضمن القوى الاقتصادية المؤثرة عالميًا. كما تجاوزت مساهمة القطاع غير النفطي 78 %، مع تسجيل نمو في هذا القطاع بلغ 5.3 % خلال العام نفسه، في دلالة واضحة على نجاح مسارات التنويع الاقتصادي وتعزيز مصادر النمو. وفي القطاع المالي، واصلت دول المجلس تعزيز متانة أنظمتها المصرفية، إذ بلغت أصول البنوك التجارية نحو 3.9 تريليون دولار، بنمو وصل إلى 11.9 % بين عامي 2024 و2025، فيما ارتفعت الودائع لدى البنوك التجارية إلى 2.3 تريليون دولار، بمعدل نمو بلغ 10.6 %، وهو ما يعكس قوة السيولة المصرفية وارتفاع مستوى الثقة في القطاع المالي الخليجي. كما تؤكد المؤشرات تنامي الثقل الاستثماري لدول مجلس التعاون عالميًا، مع وصول حجم صناديق الثروة السيادية الخليجية إلى نحو 5 تريليونات دولار، بما يمثل 30.3 % من إجمالي الصناديق السيادية في العالم، الأمر الذي يعزز الحضور الخليجي في الأسواق الدولية، ويمنح دول المجلس وزنًا متقدمًا في حركة الاستثمار العالمي. وعلى صعيد التجارة، سجلت دول المجلس حجم تبادل تجاري بلغ 1.6 تريليون دولار في عام 2024، بنمو نسبته 7.4 % مقارنة بعام 2023، فيما بلغت الصادرات السلعية الخليجية نحو 849.6 مليار دولار، بما يعكس استمرار الحضور الخليجي القوي في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية. وفي قطاع الطاقة، حافظت دول المجلس على موقعها المحوري في سوق الطاقة العالمية، بإنتاج نفطي بلغ 16.6 مليون برميل يوميًا، يمثل نحو 22.2 % من الإنتاج العالمي للنفط الخام، وهو ما يعكس أهمية الخليج في دعم استقرار أسواق الطاقة وتعزيز أمن الإمدادات على المستوى العالمي. ولم تقتصر المكتسبات الخليجية على المؤشرات الاقتصادية وحدها، إذ أظهرت مؤشرات التنافسية العالمية لعام 2025 تقدمًا لافتًا لدول المجلس، حيث جاء المجلس في المرتبة الـ15 عالميًا في المؤشر العام، والمرتبة الثامنة عالميًا في مؤشر السياسة الضريبية، والحادية عشرة في مؤشر المالية العامة، إلى جانب مراكز متقدمة في مؤشرات سوق العمل والبنية الأساسية وكفاءة الأعمال والحوكمة. وعلى مستوى التكامل الخليجي، سجلت السوق الخليجية المشتركة نموًا متواصلًا، حيث بلغت التجارة البينية نحو 146 مليار دولار في عام 2025، بنمو قدره 85.2 % مقارنة بعام 2012، فيما ارتفع إجمالي رؤوس أموال الشركات المساهمة إلى 549 مليار دولار، بنمو بلغ 237.6 % مقارنة بعام 2007، بما يعكس اتساع قاعدة التكامل الاقتصادي بين دول المجلس، وتحول السوق الخليجية إلى مساحة أكثر ترابطًا أمام المستثمرين والمواطنين. وفي البعد الاجتماعي، تعكس الأرقام عمق الترابط بين أبناء الخليج، إذ تنقل أكثر من 41.4 مليون مواطن خليجي بين الدول الأعضاء، وارتفع عدد الطلبة الخليجيين الدارسين في المدارس الحكومية بالدول الأخرى إلى 43.2 ألف طالب، كما استفاد نحو 488.9 ألف مواطن خليجي من الخدمات الصحية البينية، في صورة عملية لمعنى المواطنة الخليجية، وما تحققه من انعكاسات مباشرة على حياة الإنسان الخليجي. كما بلغت الإيرادات السياحية الخليجية نحو 132.3 مليار دولار، بما يعكس تنامي جاذبية الوجهات الخليجية، وقدرتها على استقطاب الحركة السياحية العالمية، في ظل ما تشهده دول المجلس من تطور متسارع في البنية السياحية والخدمات والمرافق والمشاريع النوعية. وتحضر مملكة البحرين في هذه المناسبة باعتبارها جزءًا أصيلًا من منظومة العمل الخليجي المشترك، وداعمًا ثابتًا لمسارات التنسيق والتكامل في مختلف المجالات، انطلاقًا من إيمان راسخ بوحدة الهدف والمصير، وبأن أمن الخليج العربي واستقراره وتنميته مسؤولية جماعية لا تتجزأ. وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم، تؤكد الذكرى الخامسة والأربعون أن مجلس التعاون لم يعد مجرد إطار للتنسيق السياسي، بل منظومة أمنية واقتصادية وتنموية متكاملة، قادرة على التعامل مع التحديات، وتعزيز الحضور الخليجي في المحافل الإقليمية والدولية، وصياغة مواقف مشتركة تحفظ المصالح العليا لدوله وشعوبه. وبعد 45 عامًا على تأسيسه، يمضي مجلس التعاون بثبات نحو مرحلة جديدة من التكامل، مستندًا إلى رصيد من الإنجازات والمؤسسات والمكتسبات، وإلى قناعة راسخة بأن قوة الخليج في وحدته، وأن التعاون ليس شعارًا احتفاليًا، بل خيار استراتيجي لصون الأمن، وتعزيز التنمية، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا لأبناء دول المجلس.
Go to News Site