جريدة الرياض
أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى عكس المسار التراجعي لمعدلات التضخم الذي شهده الاقتصاد العالمي خلال العامين الماضيين إلى حد ما. ووفقاً لصندوق النقد الدولي، تم تعديل توقعات التضخم العالمي الكلي ورفعها إلى 4.4 في المائة في العام 2026، قبل أن يعاود التراجع إلى 3.7 في المائة في العام 2027. ويعزى هذا التسارع في معدلات التضخم بصفة رئيسية إلى الارتفاعات الحادة في أسعار السلع الأساسية المرتبطة بالحرب، بما في ذلك النفط الخام، والغاز الطبيعي، والأسمدة، والمعادن. وفي المقابل، ما تزال الآفاق المستقبلية تتسم بدرجة عالية من الضبابية وعدم اليقين، إذ تشير بعض السيناريوهات الأكثر تشاؤماً إلى إمكانية استقرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة تقارب 110 دولار أمريكي للبرميل، مما قد يدفع معدل التضخم العالمي للارتفاع الى 5.4 في المائة خلال العام 2026. أما في السيناريو الأكثر حدة، والذي يفترض استمرار الاضطرابات واسعة النطاق لفترة ممتدة، فقد يرتفع معدل التضخم العالمي الكلي إلى ما يزيد قليلاً عن 6 في المائة بحلول العام 2027، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي. ووفق، بلومبيرج وبحوث كامكو إنفست وصندوق النقد الدولي، ففي الولايات المتحدة، قفز معدل التضخم إلى 3.8 في المائة في أبريل 2026 مقابل 3.3 في المائة في مارس 2026، ليسجل أعلى وتيرة لارتفاع الأسعار منذ مايو 2023. وجاء هذا التسارع مدفوعاً بارتفاع أسعار السلع الأساسية، وفي مقدمتها أسعار البنزين والمواد الغذائية خلال الشهر. وبصفة عامة، استحوذت تكاليف الطاقة على الجزء الأكبر من زيادة الأسعار، في ظل اضطرابات إمدادات الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز. وبالمثل، ارتفع معدل التضخم في منطقة اليورو في أبريل 2026 إلى 3 في المائة (مقابل 2.6 في المائة في مارس 2026)، على خلفية ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط. كما قفزت أسعار الطاقة في منطقة اليورو بنسبة 10.9 في المائة على أساس سنوي في أبريل 2026 مقابل 5.1 في المائة في مارس 2026. وأثار هذا الارتفاع الذي شهدته معدلات التضخم مخاوف متزايدة من دخول المنطقة في حالة "ركود تضخمي"، إذ إن أي توجه من البنك المركزي الأوروبي نحو رفع أسعار الفائدة للحد من التضخم قد ينعكس سلباً على النشاط الاقتصادي ويقيد وتيرة النمو. أما على صعيد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان، فقد جاءت التداعيات التضخمية للحرب متفاوتة بشكل كبير بين دول المنطقة، على الرغم من أن الأثر العام كان تصاعدياً. ومن المتوقع أن تؤدي صدمة إمدادات الطاقة إلى رفع أسعار السلع المستوردة في الدول المصدرة للنفط المتأثرة بشكل مباشر، إلا أن حجم التأثير يختلف تبعاً لدرجة الاعتماد على الواردات المتأثرة والعوامل المحلية الخاصة بكل اقتصاد على حدة. وتواجه الدول النفطية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (بما في ذلك معظم الدول الخليجية) تصاعد الضغوط التضخمية، وإن كانت وتيرة ارتفاع التضخم في الدول الخليجية أقل حدة مقارنة ببقية اقتصادات المنطقة بصفة عامة. وعلى مستوى الدول الخليجية، يشير السيناريو المرجعي (الذي يفترض تراجع الاضطرابات بمنتصف العام 2026) إلى استمرار التأثيرات التضخمية في الدول الخليجية ضمن نطاق معتدل نسبياً. إلا أن الاقتصادات الخليجية تظل عرضة لبعض المخاطر التضخمية الإضافية، خاصة نظراً لاستيراد احتياجاتها الغذائية (والتي تمثل أكثر من 80 في المائةمن استهلاك أربعة دول خليجية وفقاً لصندوق النقد الدولي)، إلى جانب الاعتماد الكبير على تحلية المياه. كما أن استمرار الاضطرابات لفترة أطول قد يؤثر على المخزونات الغذائية ويدفع أسعار الغذاء إلى مستويات أعلى. وتشير التوقعات إلى أن البنوك المركزية في المنطقة قد تضطر إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشدداً أو الإبقاء على مواقف نقدية تقييدية لاحتواء الآثار الثانوية الناجمة عن ارتفاع أسعار السلع الأساسية، خاصة بالنسبة للاقتصادات التي تتسم فيها توقعات التضخم بدرجة أعلى من الهشاشة. أما الدول التي تعتمد أنظمة سعر صرف مرنة، (وهي حالات محدودة نسبياً مقارنة بالأنظمة السائدة في معظم الدول الخليجية التي تربط عملاتها بالدولار أمريكي)، فقد يسمح لعملاتها بلعب دور يساهم في امتصاص الصدمات في مواجهة التقلبات الخارجية. أسعار المواد الغذائية العالمية وشهدت أسعار الغذاء العالمية نمواً بوتيرة معتدلة في أبريل 2026، إذ ارتفع مؤشر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) بنسبة 2.0 في المائة على أساس سنوي، على الرغم من بقائه أقل بنسبة 18.4 في المائة مقارنة بمستويات الذروة التي سجلها في مارس 2022. وبصفة عامة، بلغ متوسط المؤشر 130.7 نقطة في أبريل 2026، بارتفاع بلغت نسبته 1.6 في المائة مقارنة بمتوسط مارس 2026، مسجلاً بذلك ثالث ارتفاع شهري على التوالي، وإن بوتيرة أبطأ مقارنة بالشهر السابق. وجاء ارتفاع أسعار الغذاء العالمية مدفوعاً بصفة رئيسية بزيادة متوسط مؤشر أسعار اللحوم بنسبة 6.4 في المائة على أساس سنوي، في ظل ارتفاع أسعار معظم فئات اللحوم باستثناء لحوم الأبقار التي ظلت مستقرة نسبياً خلال الشهر. كما ارتفعت أسعار لحوم الدواجن بدعم من زيادة الأسعار في البرازيل، إذ عوض الطلب القوي من عدة أسواق إفريقية تراجع المبيعات إلى منطقة الشرق الأدنى، في ظل القيود اللوجستية واضطرابات النقل التي فرضت إعادة توجيه الشحنات عبر البحر الأحمر. في المقابل، ظلت أسعار لحوم الأبقار مستقرة نسبياً، إذ قابل ارتفاع الأسعار في أستراليا، نتيجة محدودية الإمدادات المخصصة للتصدير، تراجع الأسعار في نيوزيلندا نتيجة لضعف الطلب من الصين، التي تعد وجهة التصدير الرئيسية لها. وسجلت قراءة مؤشر الفاو لأسعار الزيوت النباتية 193.9 نقطة في المتوسط، مرتفعاً بنسبة 5.9 في المائة على أساس شهري في أبريل 2026 مقارنة بمارس 2026، ليصل إلى أعلى مستوياته منذ نحو أربعة أعوام (منذ يوليو 2022). ويعزى هذا الارتفاع القوي إلى زيادة أسعار زيوت النخيل وفول الصويا ودوار الشمس وبذور اللفت. كما ارتفعت أسعار زيت النخيل العالمية للشهر الخامس على التوالي، بدعم من توقعات ارتفاع الطلب من قطاع الوقود الحيوي، في ظل الحوافز والسياسات الداعمة في عدد من الدول المنتجة، إلى جانب ارتفاع أسعار النفط الخام. وبالمثل، تحسن أداء مؤشر أسعار الحبوب هامشياً، إذ ارتفع بنسبة 0.4 في المائة على أساس سنوي ليبلغ في المتوسط 111.3 نقطة، بدعم من ارتفاع أسعار معظم الحبوب الرئيسية باستثناء الذرة الرفيعة والشعير. وارتفعت أسعار القمح العالمية بنسبة 0.8 في المائة نتيجة الضغوط الناجمة عن موجات الجفاف في أجزاء من الولايات المتحدة، إضافة إلى تزايد احتمالات انخفاض معدلات الأمطار عن مستوياتها المعتادة في أستراليا. في المقابل، تراجع مؤشر أسعار منتجات الألبان بنسبة 1.1 في المائة على أساس شهري في أبريل 2026 ليبلغ في المتوسط 119.6 نقطة، متأثراً بانخفاض الأسعار العالمية للزبدة والأجبان، وهو ما فاق أثر الارتفاع المستمر في أسعار الحليب المجفف منزوع الدسم، في حين ظلت أسعار الحليب المجفف كامل الدسم مستقرة إلى حد كبير.
Go to News Site