صحيفة البلاد البحرينية
كان العيد قديما يدخل البيوت قبل أن يدخل التقويم وتكفي رائحة البلاليط في الصباح، وصوت التكبيرات الخارجة من المساجد، وحركة الأطفال في “الفرجان” حتى يشعر الناس أن أياما مختلفة بدأت، ولم تكن هناك هواتف ذكية ولا مظاهر استهلاكية ضخمة، لكن فرحة العيد كانت أكبر والقلوب أقرب والبيوت مفتوحة للجميع. وفي هذا الاستطلاع، يعود عدد من كبار السن إلى طفولتهم، ليستعيدوا ملامح عيد الأضحى المبارك في البحرين والخليج قبل أكثر من ستين عاما، حين كانت البساطة تصنع أجمل الذكريات. ضيافة العيد (القدوع)يستعيد الحاج محمد علي البالغ من العمر نحو 78 عاما، ذكريات طفولته في قرية النويدرات، حين كان عمره لا يتجاوز عشر سنوات، قائلا: إن العيد آنذاك كان يبدأ منذ ليلة الوقوف بعرفة، حين تنشط البيوت استعدادا لاستقبال الضيوف وصناعة أجواء الفرح، وننتظر صباح العيد بشغف كبير، وبعد الصلاة تبدأ المجالس والبيوت باستقبال الناس، وكان “القدوع” الشعبي من أجمل ما يميز العيد، إذ توضع الحلويات الشعبية والرهش والبلاليط وبعض الأكلات البحرينية البسيطة التي نعشقها نحن الأطفال. ويضيف أن الأطفال كانوا يجوبون “الفرجان” طوال اليوم، متنقلين بين البيوت للسلام والمعايدة، قبل أن تبدأ الألعاب الشعبية التي كانت جزءا أساسيا من فرحة العيد، مثل لعبة “الصيدة” (ركض مجموعة الأطفال لاصطياد بعضهم بعضا)، و “القلينة” (مضرب من عصا طويلة تضرب أخرى صغيرة لتنطلق في الهواء)، إضافة إلى رمي “الحية بية” في البحر. ويشير إلى أن أجمل ما كان يميز تلك الأيام هو الترابط الاجتماعي، إذ يعرف الجميع بعضهم بعضا، وتتحول القرية بأكملها إلى عائلة واحدة تعيش فرحة جماعية بسيطة لكنها صادقة. العيد في مكران أما الحاج عبدالحي هارون، فيعود بذاكرته إلى طفولته في مدينة مكران بإقليم بلوشستان، إذ كانت المدن الساحلية تعيش عيد الأضحى بطابع مختلف يرتبط بالبحر والعائلة والتجمعات الشعبية، فبعد صلاة العيد مباشرة كنا نبدأ زيارة منازل الأهل والأقارب، وكانت البيوت تستقبل الجميع دون مواعيد أو تكلف. الناس يفرحون بالعيد من قلوبهم، والأطفال يركضون في الأزقة بملابسهم الجديدة. وبقية يوم العيد كان غالبا يُقضى على الساحل، حيث يجتمع الرجال والشباب والأطفال بالقرب من البحر، وسط أجواء مليئة بالحكايات والطعام الشعبي والضحكات، كما أن بساطة الحياة آنذاك جعلت العلاقات الإنسانية أكثر دفئا، مشيرا إلى أن الناس كانوا يجدون سعادتهم في الاجتماع والتواصل أكثر من المظاهر، ولذلك بقيت ذكريات تلك الأعياد حاضرة في الوجدان على رغم مرور العقود. “الفرجان” ملعبنا الكبير ويتحدث الحاج عاشور جاسم عن طفولته في قرى سترة، قائلا: إن العيد كان مناسبة ينتظرها الجميع كبارا وصغارا، إذ تبدأ الزيارات العائلية منذ الصباح مع الآباء والأجداد والأقارب، قبل أن يجتمع الناس على غداء العيد في أجواء مليئة بالمحبة، وتعلمنا منذ الصغر أن العيد ليس فقط ملابس جديدة أو أكلا، بل لمة أهل وفرحة جماعية، وكنا بعد الصلاة نخرج نحن الأطفال للعب في طرقات القرية حتى ساعات المساء. “الفرجان” كانت تتحول إلى ساحات مفتوحة للألعاب الشعبية والحركة والضحك، بينما تتنقل مجموعات الأطفال بين البيوت للحصول على العيديات والحلوى، وأكثر ما يشتاق إليه اليوم هو روح الألفة بين الناس. ذاكرة بحر “ريا” ويصف الحاج علي حسن منصور عيد الأضحى في المحرق بأنه كان من أجمل مواسم الفرح الشعبي في البحرين، خصوصا في المناطق الساحلية التي كانت تمتلئ بالحركة والأنشطة والألعاب، ويضيف “أنا من سماهيج، وكنا ننتظر الذهاب إلى ساحل ريا بفارغ الصبر؛ لأنه كان ملتقى للكثير من أهالي المحرق وقراها، وهناك تقام ألعاب العيد الشعبية ورمي الحية بية”. ويقضي الأطفال والشباب ساعات طويلة على الساحل، بينما تتوزع العائلات في جلسات جماعية مليئة بالحديث والضحك والطعام الشعبي، فالعيد قديما كان بسيطا لكنه عميق المعنى؛ لأن الناس كانوا يصنعون الفرح من التفاصيل الصغيرة، ومن العلاقات الإنسانية الصادقة، وليس من المظاهر أو الكماليات. ويختم قائلا “مع تغير الزمن تبقى ذكريات العيد القديمة أجمل ما يحتفظ به الإنسان في قلبه؛ لأنها مرتبطة بالناس والبيوت والفرحة الحقيقية”.
Go to News Site