Collector
باحثون ونقاد وموسيقيون: الفنون الشعبية وثقت فرحة العيد وحفظت الهوية الثقافية القطرية عبر الأجيال | Collector
باحثون ونقاد وموسيقيون: الفنون الشعبية وثقت فرحة العيد وحفظت الهوية الثقافية القطرية عبر الأجيال
AlArab Qatar

باحثون ونقاد وموسيقيون: الفنون الشعبية وثقت فرحة العيد وحفظت الهوية الثقافية القطرية عبر الأجيال

كثيرة هي المفردات الشعبية التي ما تزال ترافقنا إلى يومنا هذا، رغم ما شهدته الحياة من تغيرات متسارعة وتطورات متلاحقة، لتبقى حاضرة في الذاكرة الجمعية للمجتمع، حاملة في تفاصيلها ملامح الماضي، ومعبرة عن أصالة الأجداد وعاداتهم وتقاليدهم التي توارثتها الأجيال. ومن أبرز ملامح هذا التراث والمفردات، الفنون الشعبية التي وثقت مظاهر فرحة العيد في قطر، وحفظت عبر تسجيلات صوتية ومرئية أرشفتها المؤسسة القطرية للإعلام من خلال الإذاعة والتلفزيون، إلى جانب ما دونه الباحثون في التراث القطري، لتظل متوارثة بين الأجيال حتى اليوم. وفي هذا الصدد، أوضح باحثون في التراث ونقاد فنيون وموسيقيون، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية "قنا"، أن الفنون الشعبية شكلت سجلا يوثق فرحة العيد لدى القطريين، وانتقلت جيلا بعد جيل باعتبارها جزءا أصيلا من الهوية الثقافية للمجتمع. وقال الكاتب والصحفي والناقد الموسيقي السيد إبراهيم المطوع لـ"قنا"، إن التراث الفلكلوري الشعبي في قطر خصوصا والخليج بشكل عام، يزخر بالعديد من الأهازيج الشعبية المرتبطة بالمناسبات المختلفة، كالأعياد والزواج والعمل ورحلات الغوص وغيرها، مبرزا أن لكل مناسبة لونا فنيا يرتبط بها ارتباطا وثيقا في التعبير والأداء. ولفت إلى أن الموسيقار الراحل عبدالعزيز ناصر كان له دور بارز في حفظ التراث الموسيقي وتوثيقه من خلال أعمال خالدة ذاع صيتها في الخليج والوطن العربي منذ سبعينيات القرن الماضي. وأشار إلى أن من الأغاني التي اشتغل عليها عبدالعزيز ناصر أغنية "يا العايدو"، التي سجلت لإذاعة قطر عام 1970، موضحا أنه لم يجر أي تغيير يذكر على نص الأهزوجة أو الحس الشعبي المنسجم مع معاني الكلمات، بل صاغ لحنا مستوحى من التراث والبيئة الشعبية ينسجم مع أجواء العيد وبهجته، مستخدما إيقاع "الدزة" المعروف في قطر ودول الخليج، والذي يقدم في حفلات الزواج والأعياد. وأضاف أن الأغنية حققت نجاحا كبيرا، وأصبحت تتردد في مناسبات الأعياد حتى اليوم، شأنها شأن أعمال شعبية أخرى وثقت لفرحة العيد مثل "باجر العيد" و"العايدوه". ولفت إبراهيم المطوع، إلى أن الموسيقار عبدالعزيز ناصر، استلهم بحسه الفني أبرز الأعمال التراثية ذات الطابع الاجتماعي والإنساني العام، والتي تعزز المبادئ والأعراف، وتحافظ على عادات المجتمع وتقاليده، مقدما إياها بصياغة فنية متطورة تتواءم مع طبيعة هذه الفنون، بما ساهم في الحفاظ عليها وعلى مفرداتها من الاندثار مع مرور الزمن. من جهته، قال السيد فيصل التميمي، الباحث التراثي والملحن، في تصريح مماثل لـ "قنا"، إن الفنون الشعبية تمثل ممارسات وأعمالا ووظائف ومهنا كانت تؤثث فضاء المجتمع في الماضي، منوها بأن بعض الفنون ارتبطت بمواسم ومناسبات محددة، فيما ارتبطت أخرى بأوقات معينة أو بالمهن والعادات الاجتماعية. وبين أن العيد يعتبر من أبرز المناسبات التي وثقتها الفنون الشعبية بصورة إيجابية، وخصوصا اللازمة الشهيرة التي يرددها الأطفال "عيدكم مبارك يا أهل البيت"، والتي تحولت مع مرور الوقت إلى أهزوجة شعبية متوارثة تؤدى بلحنها المعروف حتى اليوم. وأوضح الباحث التراثي والملحن فيصل التميمي، أن عددا من المهتمين بالفنون الشعبية، أدخلوا عليها إيقاعات مع إضافات لحنية جديدة، لافتا بأن البعض يعتبره "تطويرا"، لكنه لا يفضل استخدام هذه المصطلحات في هذا السياق، باعتبار أن المسألة تبقى ذوقية بالدرجة الأولى، والمتلقي هو من يحدد اللحن الأقرب إليه، مشيرا إلى أن التوصيف الأقرب لهذه الإضافات هو "الابتكار" القائم على أصل تراثي. ونوه التميمي بأن عيدي الفطر والأضحى، وثقا من خلال فنون شعبية مختلفة، إلى جانب فن "المراداة" الذي كانت تمارسه السيدات، حيث يجتمعن عصر العيد في مكان بعيد عن أعين الرجال، ويؤدين هذا الفن في صفين متقابلين دون إيقاع موسيقي، مكتفيات بترديد كلمات تخطر على بالهن، دون اشتراط أن تكون شعرا منظوما. والمراداة، رقصة جماعية يرافقها غناء جماعي دون استخدام أدوات موسيقية، إذ تتشكل الرقصة من صفين متقابلين، وتتميز بحركات القدمين، حيث تضرب الفتيات الأرض بأقدامهن، وهن ممسكات بأيدي بعضهن، ويتمايلن يمنة ويسرة بشكل منتظم. وهن ينشدن الأغاني. وتبدأ الرقصة بقيام إحدى النساء المشاركات بالغناء، ثم يردد الصف الأول الغناء بالشطر نفسه من الأغنية، قبل أن يردده الصف الثاني مرتين أو ثلاثا. ثم يتقدم الصف الأول حتى يصل إلى الصف المقابل وهن ينشدن، والصف الآخر يرد عليهن، ثم يتراجعن إلى الوراء، ويبدأ الصف الثاني بالتقدم، حتى يلتقي الصفان في منتصف المسافة، ويختتم الأداء بالردحة والغناء الجماعي. وترتدي الفتيات والنساء المشاركات في المراداة، أيام العيد، ثياب النشل والدراريع المطرزة بالزري، ويتزين بالحلي الذهبية مثل الهلالي والجتوب والمرتعشة. وأوضح الباحث التراثي أن الرجال يحتفلون بالعيد من خلال فن العرضة، بعد صلاة العصر، وكانوا يتجمعون في عدد من الساحات، مثل ساحة المتحف والكورنيش، وفي السابق كانت في البدع والخور والوكرة. من جانبه، قال الفنان والملحن الكبير مطر علي الكواري، لـ"قنا"، إن الفنون الشعبية في قطر ثراء حضاري كبير، معربا عن أسفه أن الكثير منها لم يحظ بالتوثيق الحقيقي إلا من اجتهادات فردية محدودة من بعض الكتاب والموسيقيين، لافتا إلى أن التراث الشعبي ليس لونا واحدا، بل عالم متكامل يشمل الأغاني الوجدانية، والفنون البحرية، والعرضات، والسامري، وأغاني الطفل، والعادات، والألعاب الشعبية، وحتى الأعمال اليدوية التي تعكس روح المجتمع القطري وهويته. وقال الكواري: "حاولت شخصيا تطوير بعض هذه الفنون الوجدانية والشعبية مثل السامري والأصوات والعرضات وأغاني الطفل كـ "طق المطر" وغيرها، وقدمت عبر وزارة الثقافة – قسم المسرح – مجموعة من أوبريتات الطفل الشعبية، لكن ما أطمح له أكبر من مجرد أعمال متفرقة، لأن التوثيق الحقيقي يحتاج إلى مشروع وطني متكامل". وأشار إلى أن هذا الإرث يستحق أن تتبناه جهة رسمية من خلال تشكيل لجنة متخصصة تتولى جمع وتوثيق كل ما يمثل التراث القطري، ثم إتاحة هذا الإرث لفنانين وموسيقيين قادرين على تطويره وتقديمه بصوت قطري حديث، سواء عبر الأعمال الجماعية أو الأصوات الفردية، حتى يبقى حيا ومتجددا للأجيال المقبلة، لا مجرد ذكريات. وأوضح الكواري أن للعيد فرحة خاصة لدى أهل قطر، باعتبارها فرحة ترتبط بالألفة والبساطة والذكريات الجميلة، لافتا إلى أن الأطفال يعيشون أجواء مختلفة تماما، إذ تبدأ استعداداتهم لعيد الفطر منذ منتصف شهر رمضان بعد "القرنقعوه"، وتستمر حتى ليلة العيد التي يكاد لا يغمض لهم فيها جفن من شدة الشوق للملابس الجديدة وتفاصيل الفرح التي يضعونها قرب رؤوسهم انتظارا للصباح. ونوه بأن الأغاني ظلت دائما جزءا من ذاكرة العيد، فهناك أصوات ارتبطت بقدومه مثل أغاني الفنان سالم فرج وغيرها من الأعمال التي أصبحت علامة على فرحة العيد لدى أهل الخليج. وفي المقابل، كان للأطفال عالمهم الخاص من الأهازيج الشعبية مثل "يالعايدوه" وغيرها من الأغاني التي تملأ الفرجان بالحياة. وأضاف أن الطفل القطري ما يزال يردد بصوته البريء: "عيدكم مبارك يا أهل البيت"، في مشهد يجتمع فيه الأولاد والبنات وهم يطوفون بين البيوت بفرحة خاصة، لتبقى هذه التفاصيل جزءا أصيلا من الذاكرة الشعبية القطرية التي تستحق التوثيق والحفظ للأجيال القادمة.

Go to News Site