jo24.net
كتب زياد فرحان المجالي لم تعد مسودة الاتفاق الأميركي ـ الإيراني مجرد ورقة تفاوضية بين واشنطن وطهران. إنها، في لحظتها الراهنة، محاولة لإدارة حرب لم تنتهِ، وفتح مضيق لم يعد مفتوحًا بالكامل، وتحرير أموال لا يريد ترامب أن تبدو كأنها جائزة لإيران. منذ تسريب بنود المسودة، بدا واضحًا أن الطرفين لا يبحثان عن سلام نهائي بقدر ما يبحثان عن مخرج مرحلي يمنع عودة النار الواسعة، ويمنح كل طرف لغة انتصار قابلة للبيع في الداخل. تتحدث المسودة، كما ورد في التسريبات والتقارير المتقاطعة، عن وقف إطلاق نار شامل وفوري وغير مشروط على جميع الجبهات، وعن وقف استهداف البنى العسكرية والمدنية والاقتصادية، وإنهاء العمليات العسكرية والحرب الإعلامية، واحترام السيادة، وضمان حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وبحر عُمان، وإنشاء آلية مشتركة للرقابة وحل النزاعات، على أن تبدأ خلال سبعة أيام مفاوضات حول القضايا الخلافية الكبرى. كما تفتح الباب أمام رفع تدريجي للعقوبات مقابل التزامات إيرانية محددة تتعلق بالبرنامج النووي وملف التخصيب. لكن جوهر الاتفاق ليس في البنود المكتوبة وحدها، بل في ترتيب الأولويات. واشنطن تريد أن تبدأ من النووي: التخصيب، مخزون اليورانيوم، الضمانات، والتفتيش. أما إيران فتريد أن تبدأ من الحرب والمال والبحر: وقف النار أولًا، فتح هرمز وفق صيغة تحفظ ماء وجهها، ثم الإفراج عن الأموال المجمدة وتخفيف العقوبات قبل الدخول في مسار نووي طويل. هنا تكمن العقدة الحقيقية: من يقدّم التنازل الأول؟ ومن يملك حق تعريف معنى "الخطوة الأولى” أصلًا؟ في البيت الأبيض، بدا المشهد أكثر دلالة من التصريحات نفسها. ترامب كان قد رتب اجتماعًا في كامب ديفيد، قبل أن يُعاد ترتيب الاجتماعات داخل البيت الأبيض رسميًا تحت ذرائع لوجستية وأمنية مرتبطة بالطقس والتطورات العسكرية. لكن التوقيت جعل الأمر يُقرأ سياسيًا بصورة مختلفة: الرئيس الأميركي لا يريد بعدُ صورة "الاحتفال الدبلوماسي”، بل يريد إدارة الصفقة من داخل غرفة القرار المباشر، تحت أعين المؤسسة العسكرية والأمنية، وضمن حسابات دقيقة تتعلق بالداخل الأميركي وبصورة ترامب كرئيس لا يقدم تنازلات مجانية. كامب ديفيد هنا ليس تفصيلًا بروتوكوليًا. المكان في الذاكرة الأميركية مرتبط بالصفقات الكبرى والاختراقات التاريخية. ولذلك فإن التراجع عن تحويله إلى منصة إعلان يوحي بأن ترامب لا يزال مترددًا بين خيارين: إظهار نفسه كصانع سلام أعاد فتح هرمز ومنع حربًا إقليمية، أو الظهور كرئيس قوي انتزع من إيران تنازلات قاسية من دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا داخليًا. في المقابل، تتحرك الدوحة كغرفة مالية وسياسية للاتفاق. فالتقارير المتداولة تتحدث عن وجود وفد إيراني في قطر بانتظار الإشارة السياسية والمالية لبدء المرحلة العملية المتعلقة بالأموال المجمدة. وهذه النقطة بالذات ليست تفصيلًا ماليًا عابرًا، بل إحدى أعقد زوايا التفاوض. إيران تريد أن ترى مكسبًا ملموسًا قبل أن تبيع الاتفاق داخليًا، لأنها تعرف أن أي تراجع بلا مقابل اقتصادي واضح سيُقدَّم داخل إيران بوصفه خضوعًا للضغط الأميركي. لكن ترامب يريد اسمًا مختلفًا لهذا المال. لا يريد أن يبدو كمن يكرر تجربة أوباما التي هاجمها طويلًا، لذلك يجري البحث عن صيغ لغوية وسياسية جديدة: "إعادة تنظيم أموال مجمدة” بدل "دفع أموال لإيران”، و”إعفاءات مرحلية” بدل "رفع عقوبات”، و”ضمانات ملاحة” بدل الاعتراف بنفوذ إيراني مباشر في هرمز. هنا تتحول اللغة نفسها إلى ساحة تفاوض موازية للحرب. لكن ترامب لا يفاوض طهران في فراغ. فخلف باب البيت الأبيض تقف حسابات الحلفاء أيضًا: إسرائيل التي تخشى اتفاقًا يوقف الحرب من دون تفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني أو تقليص النفوذ الإقليمي لطهران، ودول الخليج التي تريد تهدئة تحمي الطاقة والأسواق، لكنها لا تريد في الوقت نفسه أن يكرّس الاتفاق اعترافًا أميركيًا ضمنيًا بدور إيراني دائم في هرمز والخليج. لذلك تبدو مهمة ترامب أكثر تعقيدًا من مجرد إقناع إيران؛ فهو يحاول أيضًا تسويق الاتفاق داخل معسكره الإقليمي قبل تسويقه داخل أميركا نفسها. من هنا تبدو مسودة الاتفاق كأنها مبنية على إعادة تسمية الأشياء أكثر من تغييرها بالكامل. وقف الحرب يصبح "تهدئة قابلة للتحقق”. فتح هرمز يصبح "ضمان حرية الملاحة”. الأموال المجمدة تصبح "ترتيبات إنسانية واقتصادية”. والتراجع المتبادل يصبح "صفقة قوية”. هذه اللغة ليست هامشًا دبلوماسيًا، بل قلب المعركة السياسية، لأن الصراع لم يعد يدور فقط حول الصواريخ واليورانيوم، بل حول من يملك حق كتابة الرواية النهائية للحرب. الخلاصة أن مسودة الاتفاق الأميركي ـ الإيراني تقف اليوم بين ثلاثة أبواب: باب البيت الأبيض حيث يراجع ترامب الكلفة السياسية والاستراتيجية، وباب الدوحة حيث تنتظر إيران إشارة المال، وباب هرمز حيث يختبر العالم معنى حرية الملاحة تحت الضغط. وإذا نجحت الورقة، فلن تكون نهاية الحرب، بل هدنة كبرى باسم جديد. وإذا فشلت، فإن البنود التسعة لن تبقى مجرد مسودة اتفاق، بل ستتحول إلى وثيقة تثبت أن الجميع رأى المخرج… ثم خاف من ثمن السير نحوه حتى النهاية. .
Go to News Site