Collector
قضية اقتصادية: القطاع المصرفي بين الحرب والاقتصاد.. اختبار جديد للمرونة والاستقرار | Collector
قضية اقتصادية: القطاع المصرفي بين الحرب والاقتصاد.. اختبار جديد للمرونة والاستقرار
صحيفة البلاد البحرينية

قضية اقتصادية: القطاع المصرفي بين الحرب والاقتصاد.. اختبار جديد للمرونة والاستقرار

د. عمر العبيدلي: دول الخليج تمتلك أدوات قوية لاحتواء الأزمات بشار الحلبي: الخليج يواجه اختبارا حقيقيا بيـن أسعـار النفط ومخاطر “هرمز” كيف حافظت مملكة البحرين ودول الخليج العربي على الاستقرار التشغيلي والمالي في ظل الاعتداءات الإيرانية الغاشمة؟ ربما تمثل الإجابة عن السؤال قراءة معمقة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وبينما كانت الصواريخ والتوترات العسكرية تعيد رسم خرائط الأمن والطاقة في المنطقة، كان سؤال آخر يتردد داخل الأسواق المالية وغرف التداول والمصارف المركزية الخليجية: هل تستطيع الأنظمة المصرفية الخليجية الحفاظ على استقرارها التشغيلي والمالي وسط هذا المشهد المضطرب؟ منذ اندلاع الحرب في فبراير 2026، دخلت اقتصادات الخليج مرحلة اختبار حقيقي لمرونتها المؤسسية وقدرتها على امتصاص الصدمات؛ فإلى جانب المخاوف الأمنية، برزت تحديات تتعلق بسلاسل الإمداد والطاقة والتأمين والشحن وثقة المستثمرين، فضلا عن احتمالات تعطل الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، لكن اللافت أن القطاع المصرفي الخليجي، خصوصا في البحرين، أظهر قدرة عالية على الحفاظ على استمرارية الأعمال وكفاءة التشغيل واستقرار السيولة، مستندا إلى بنية تنظيمية قوية واحتياطيات مالية وأنظمة رقابية متطورة، وخبرات تراكمت عبر عقود من إدارة الأزمات. البحرين.. مركز مالي يختبر صلابته تمثل البحرين أحد أقدم وأهم المراكز المصرفية في المنطقة؛ إذ تضم أكثر من 400 مؤسسة مالية مرخصة، تشمل بنوكا تقليدية وإسلامية وشركات تأمين وإدارة أصول وصناديق استثمار، فيما يساهم القطاع المالي بأكثر من 16 % من الناتج المحلي الإجمالي، ويخضع القطاع بأكمله لإشراف مصرف البحرين المركزي، الذي نجح منذ تأسيسه كجهة رقابية موحدة بالعام 2002 في ترسيخ نموذج مصرفي يتوافق مع أفضل المعايير الدولية، سواء في إدارة المخاطر أو كفاية رأس المال أو الأمن السيبراني أو الحوكمة المالية. وفي خضم الأزمة الحالية، بدا واضحا أن الاستقرار التشغيلي للمصارف لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكم طويل من السياسات الاحترازية والإدارة الاقتصادية المنضبطة. أربع ركائز للصمود الاقتصادي وتناول مدير الدراسات والبحوث بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة د. عمر العبيدلي، في تقرير نشره المركز خلال أبريل 2026، قدرة اقتصادات دول الخليج العربي على مواجهة الأزمات، إذ أثبتت دول مجلس التعاون الخليجي تاريخيا مرونة اقتصادية عالية، مستندة إلى أربعة عوامل رئيسة: الاحتياطيات المالية القوية، وكفاءة مؤسسات الدولة، والهياكل الاقتصادية المرنة، والبيئة الأمنية الداعمة للاستقرار. وأشار العبيدلي إلى أن الإدارة الاقتصادية الرشيدة لعبت دورا محوريا في تعزيز الصمود الخليجي؛ من خلال الحفاظ على صناديق الثروة السيادية واحتياطيات النقد الأجنبي، إلى جانب مستويات دين منخفضة وسياسات نقدية مستقرة، أبرزها ربط العملات الخليجية بالدولار الأميركي؛ ما عزز ثقة المستثمرين والسيولة المالية، كما ساهمت كفاءة الحكومات الخليجية وسرعة اتخاذ القرار في تجاوز الأزمات، وهو ما ظهر بوضوح خلال جائحة “كورونا”، حين حققت البحرين ودول خليجية أخرى نتائج متقدمة عالميا في توزيع اللقاحات والتعافي الاقتصادي السريع. وعززت الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية، مثل الموانئ والمطارات الحديثة، قدرة دول الخليج على التعامل مع اضطرابات سلاسل الإمداد والأزمات العالمية. وهنا أشار العبيدلي إلى أن المطارات وشركات الطيران الخليجية أظهرت مرونة تشغيلية كبيرة، لافتا إلى أن السياسات الخليجية القائمة على الاعتدال وتعزيز السلام والتعاون الإقليمي ساعدت أيضا في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي مع بروز أدوار دبلوماسية خليجية، من بينها جهود البحرين في دعم قيم التسامح والسلام وخفض التوترات الإقليمية. الاستقرار التشغيلي.. المعركة الصامتة عموما، انعكست تلك السياسات مباشرة على القطاع المصرفي الخليجي، الذي حافظ على مستويات جيدة من كفاية رأس المال والسيولة؛ ما مكّنه من الاستمرار في تمويل الاقتصاد دون اضطرابات كبيرة على رغم الأجواء الجيوسياسية المتوترة. وبرز مفهوم “الاستقرار التشغيلي” كأحد أهم عناصر الصمود المالي خلال الأزمة الحالية؛ فالمصارف الخليجية لم تكن مطالبة فقط بالحفاظ على السيولة والملاءة، بل بضمان استمرارية الخدمات الرقمية، والتحويلات، وأنظمة الدفع، وحماية البيانات، والعمل دون انقطاع حتى في ظل تصاعد المخاطر الأمنية والإلكترونية. وفي البحرين تحديدا، ساعدت البنية التحتية الرقمية المتقدمة، والجهوزية العالية للقطاع المالي، في استمرار الخدمات المصرفية بصورة طبيعية، مع اعتماد واسع على الحلول الرقمية والخدمات الإلكترونية، كما عززت المصارف خطط استمرارية الأعمال، ورفعت جهوزية مراكز البيانات والأمن السيبراني؛ تحسبا لأي تهديدات قد ترافق التصعيد الإقليمي. اضطراب “هرمز”.. والاقتصاد تحت الضغط وطرح الخبير الاقتصادي والجيوسياسي بشار الحلبي، كبير مراسلي “أرغوس ميديا” رؤيته، إذ بيّن أن الأزمة كشفت عن حقيقة هيكلية مهمة في اقتصادات الخليج، وهي أن التنويع الاقتصادي، على رغم تقدمه، ما يزال غير قادر بالكامل على فصل الاقتصادات الخليجية عن الاعتماد العميق على تدفقات الطاقة. وأشار إلى أن الأزمة قسمت معادلة الطاقة إلى عاملين متناقضين: ارتفاع الأسعار من جهة، وتراجع الكميات المصدّرة من جهة أخرى، خصوصا مع تعطل الملاحة جزئيا في مضيق هرمز. وقد تجاوزت أسعار النفط حاجز 110 دولارات للبرميل، لكن التحدي الأكبر لم يعد مرتبطا بالسعر فقط، بل بقدرة المنتجين على الوصول إلى الأسواق العالمية بأمان واستقرار. وعلى رغم ذلك، تمكنت السعودية والإمارات من التكيّف بصورة أفضل بفضل وجود منافذ تصدير بديلة عبر البحر الأحمر وميناء الفجيرة، بينما واجهت دول أخرى ضغوطا لوجستية أكبر. إدارة الأزمة برؤية جماعية وفي خضم هذه التحديات، برزت أهمية التنسيق الخليجي المشترك؛ فالقمة التشاورية الخليجية الاستثنائية في شهر أبريل 2026 بمدينة جدة عكست إدراكا عميقا لأن الاستقرار الاقتصادي والمالي لم يعد شأنا محليا منفصلا، بل قضية أمن قومي خليجي مشترك، كما جاءت قرارات القمة لتعزيز الصمود الاقتصادي عبر تسريع مشاريع الربط اللوجستي، وأنابيب النفط البديلة، والسكك الحديدية الخليجية، والمخزون الاستراتيجي الموحد، بما يقلل هشاشة الاقتصادات أمام الأزمات الجيوسياسية. ولا تتميز البحرين تاريخيا بموقعها كمركز مالي فحسب، بل بقدرتها على بناء “ثقة مؤسسية” طويلة الأمد، جعلت قطاعها المصرفي نموذجا للاستقرار والانفتاح والمرونة؛ فالبيئة التنظيمية المتقدمة، والانفتاح الاقتصادي، والكفاءات الوطنية، والاستقرار القانوني، كلها عوامل عززت قدرة المملكة في الحفاظ على مكانتها المالية على رغم التحديات الإقليمية. كما لعبت الرؤية الاقتصادية التي يقودها صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، دورا محوريا في تعزيز مرونة الاقتصاد الوطني، إلى جانب جهود الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة وزير المالية والاقتصاد الوطني، في إدارة التوازنات المالية وتعزيز ثقة المستثمرين. اقتصاد خليجي أكثر صلابة في المحصلة، كشفت الأزمة الحالية عن أن الخليج لم يعد يفكر فقط في مواجهة الصدمات الآنية، بل في إعادة صياغة مفهوم الأمن الاقتصادي طويل المدى؛ فالاستثمار في البنية التحتية، والأمن السيبراني، واللوجستيات، والطاقة البديلة، والربط الخليجي المشترك، بات جزءا من استراتيجية أوسع تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود أمام التقلبات الدولية. ويظل القطاع المصرفي الخليجي أحد أهم خطوط الدفاع الاقتصادية، ليس فقط لأنه يدير السيولة والائتمان بل لأنه يمثل العمود الفقري لاستمرار النشاط الاقتصادي وثقة الأسواق.

Go to News Site