Collector
لماذا تتجه بريطانيا اقتصاديا نحو الخليج؟ | Collector
لماذا تتجه بريطانيا اقتصاديا نحو الخليج؟
صحيفة البلاد البحرينية

لماذا تتجه بريطانيا اقتصاديا نحو الخليج؟

الاتفاقية الخليجية البريطانية تعكس توجه بريطانيا بعد “بريكست” نحو شراكات أعمق في الاستثمار والتكنولوجيا والخدمات البحرين مرشحة لتحقيق مكاسب نوعية من الاتفاقية عبر تعزيز موقعها في “الفنتك” والخدمات الرقمية الخليج لم يعد بالنسبة لبريطانيا مجرد سوق للطاقة بل شريكا اقتصاديا واستثماريا وإستراتيجيا قيمة الاتفاقية للبحرين لا تقاس بحجم التجارة فقط بل بقدرتها على جذب الشركات والاستثمارات الاتفاقية تمثل خطوة لإعادة رســــم التحالفــات الاقتصاديــة وسط المنافسة العالمية على الأسواق والتكنولوجيا في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تصاعدا في التوترات الجيوسياسية وإعادة رسم لمسارات التجارة والتحالفات الاقتصادية، جاءت اتفاقية التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة لتفتح فصلا جديدا في العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، يتجاوز خفض الرسوم الجمركية نحو شراكات أوسع في الاستثمار والخدمات والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. وتأتي الاتفاقية التي اختتمت مفاوضاتها بعد مسار تفاوضي بدأ منذ العام 2022، في مرحلة تسعى فيها بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز حضورها الاقتصادي عالميا عبر بناء شراكات جديدة مع الاقتصادات الأسرع نموا، بينما تواصل دول الخليج تعزيز موقعها كمركز عالمي للطاقة والاستثمار والخدمات اللوجستية. وبحسب تقديرات بريطانية، فإن الاتفاقية قد تضيف نحو 5 مليارات دولار سنويا للتجارة بين الجانبين على المدى الطويل، مع إزالة 93 % من الرسوم الجمركية الخليجية عن البضائع البريطانية، إلى جانب توسيع التعاون في قطاعات الخدمات المالية والتجارة الرقمية والاستثمار والاتصالات والتكنولوجيا. وفي هذا السياق، تبدو البحرين معنية بالاتفاقية ليس فقط من زاوية التبادل التجاري المباشر مع بريطانيا، بل من زاوية قدرتها على توظيف موقعها المالي واللوجستي والتنظيمي لتحويل هذه الشراكة إلى مكاسب نوعية في قطاعات الخدمات والاستثمار والتكنولوجيا المالية والتجارة الرقمية. لماذا تتجه بريطانيا نحو الخليج الآن؟ لا تبدو اتفاقية التجارة الحرة بين بريطانيا ودول مجلس التعاون مجرد اتفاقية تجارية تقليدية، بل تعكس تحولات أوسع في خريطة الاقتصاد العالمي، خصوصا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وما تبعه من سعي لندن لإعادة بناء شراكاتها التجارية والاستثمارية خارج السوق الأوروبية. وفي هذا السياق، يمثل الخليج بالنسبة لبريطانيا أحد أهم الأسواق الاستراتيجية خارج أوروبا؛ إذ تصنفه الحكومة البريطانية رابع أكبر سوق تصدير غير أوروبية للمملكة المتحدة بعد الولايات المتحدة والصين وسويسرا، كما تضم دول المجلس اقتصادات ذات دخول مرتفعة، وسوقا يتجاوز عدد سكانها 54 مليون نسمة، إلى جانب اقتصاد جماعي ضخم تقدر قيمته بنحو 16 تريليون دولار. وتسعى بريطانيا من خلال الاتفاقية إلى تعزيز حضورها في منطقة أصبحت تمثل مركزا عالميا للطاقة والاستثمار والخدمات اللوجستية، فضلا عن كونها بوابة اقتصادية تربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على بناء شراكات طويلة الأمد مع الاقتصادات الخليجية. ولم يعد الخليج بالنسبة لبريطانيا مجرد سوق للطاقة أو السلع التقليدية بل تحول تدريجيا إلى مساحة تستهدفها لندن في مجالات الخدمات والاستثمار والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، وهي القطاعات التي تراهن عليها بريطانيا لتعزيز نموها الاقتصادي بعد “بريكست”. وتشير الوثيقة الاستراتيجية البريطانية الخاصة بالاتفاقية، إلى أن دول الخليج تعمل على التحول نحو اقتصادات أكثر اعتمادا على المعرفة والخدمات والتقنيات الحديثة، وهو ما تراه بريطانيا فرصة اقتصادية واستثمارية كبيرة لتعزيز صادراتها من الخدمات والتكنولوجيا والاستثمارات وليس فقط السلع التقليدية. ففي قطاع الخدمات بلغت صادرات الخدمات البريطانية إلى دول الخليج نحو 12.2 مليار جنيه إسترليني خلال العام 2020، فيما ارتفعت صادرات الخدمات الرقمية إلى نحو 9.3 مليار جنيه في مؤشر يعكس تنامي أهمية الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا في العلاقات الاقتصادية بين الجانبين. كما تسعى بريطانيا إلى جذب مزيد من الاستثمارات الخليجية، خصوصا في قطاعات الطاقة النظيفة والبنية التحتية والخدمات المالية والتكنولوجيا، بعدما ارتفعت الاستثمارات الخليجية المباشرة في بريطانيا إلى نحو 15.7 مليار جنيه إسترليني خلال العام 2020. وفي هذا السياق، تبدو الاتفاقية بالنسبة لبريطانيا جزءا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز النفوذ الاقتصادي البريطاني في الخليج، ليس فقط عبر التجارة بل من خلال الخدمات والاستثمار والتكنولوجيا والشراكات طويلة الأمد. اتفاقية تتجاوز التجارة التقليدية ولا تبدو الاتفاقية الخليجية البريطانية مقتصرة على خفض الرسوم الجمركية وتسهيل حركة السلع فقط، بل تعكس توجها أوسع نحو إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، بما يتماشى مع التحولات العالمية في مجالات الخدمات والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. فبحسب الوثيقة الاستراتيجية البريطانية الخاصة بالاتفاقية، تركز المفاوضات بوضوح على قطاعات الخدمات المالية والتجارة الرقمية والاتصالات وتدفق البيانات والاستثمار والابتكار والتكنولوجيا الحديثة، إلى جانب تسهيل التجارة الإلكترونية وتقليل القيود التنظيمية أمام الشركات والمستثمرين. كما تستهدف الاتفاقية تعزيز انسيابية التجارة عبر تيسير الإجراءات الجمركية وتقليل الأعباء الإدارية وتحسين الشفافية التنظيمية، وهي ملفات باتت تمثل عنصرا رئيسا في التنافسية الاقتصادية العالمية خصوصا مع تنامي أهمية سلاسل الإمداد والخدمات العابرة للحدود. كما تتجاوز أهمية الاتفاقية الجانب التجاري المباشر؛ إذ تراهن بريطانيا على دول الخليج كشريك استثماري واستراتيجي طويل الأمد، في وقت تعمل فيه اقتصادات الخليج على تسريع خطط التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط عبر الاستثمار في التكنولوجيا والطاقة النظيفة والخدمات المالية والاقتصاد المعرفي. وفي المقابل، قد تستفيد دول الخليج من الاتفاقية عبر جذب مزيد من الاستثمارات البريطانية ونقل الخبرات والتكنولوجيا وتعزيز وصول الشركات الخليجية إلى السوق البريطانية، بما يدعم خطط التنويع الاقتصادي ومشاريع التحول الرقمي التي تشهدها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. البحرين وبريطانيا.. مكاسب نوعية من الاتفاقية وعلى مستوى البحرين، تفتح الاتفاقية الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية مع المملكة المتحدة في وقت شهد فيه التبادل التجاري بين الجانبين نموا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعا بتوسع التجارة غير النفطية والخدمات والاستثمارات. وبحسب تقرير “UK-Bahrain Trade and Investment Factsheet 2026” الصادر عن الحكومة البريطانية، بلغ إجمالي التجارة الثنائية في السلع والخدمات بين البحرين والمملكة المتحدة نحو 1.7 مليار دولار خلال العام 2025، في مؤشر يعكس استمرار تنامي العلاقات التجارية والاستثمارية بين الجانبين، مدفوعا بارتفاع الصادرات والواردات وتوسع مجالات التعاون الاقتصادي بين البلدين. وخلال العقد الأخير اتجهت التجارة البحرينية البريطانية نحو مزيد من التنوع مع ارتفاع مساهمة القطاعات الصناعية والخدمات غير النفطية، إلى جانب تنامي الأنشطة المرتبطة بالخدمات المالية والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. وتظهر البيانات التجارية نموا لافتا في الصادرات البحرينية إلى السوق البريطانية؛ إذ ارتفعت من نحو 30 مليون دولار في العام 2015 إلى نحو 319 مليون دولار في العام 2025، بزيادة تجاوزت 960 % خلال عشر سنوات، مدفوعة بارتفاع صادرات الألمنيوم والمشتقات النفطية والمنتجات الصناعية. وفي المقابل، ارتفعت الواردات البحرينية من المملكة المتحدة من نحو 422 مليون دولار في العام 2015 إلى نحو 1.34 مليار دولار في العام 2025، بزيادة تجاوزت 217 % مع تركز الواردات في الآلات والمعدات والسيارات والأدوية والتقنيات والخدمات المرتبطة بالصناعات المتقدمة والاقتصاد الرقمي. ويعكس هذا النمو المتسارع اتساع العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، إلى جانب التحول التدريجي في هيكل التجارة البحرينية نحو صادرات صناعية وخدمات غير نفطية ذات قيمة مضافة أعلى. ولا تقتصر العلاقات الاقتصادية بين البحرين والمملكة المتحدة على التبادل التجاري فقط، بل تمتد إلى الاستثمارات والشراكات في قطاعات الخدمات المالية والتكنولوجيا والطاقة، في ظل الحضور المتزايد للشركات البريطانية داخل السوق البحرينية خلال السنوات الأخيرة. وفي العام 2025 وقعت البحرين والمملكة المتحدة على شراكة استثمارية بقيمة ملياري جنيه إسترليني، تستهدف تعزيز التعاون في قطاعات الخدمات المالية والطاقة النظيفة والتكنولوجيا والصناعة، في خطوة تعكس تنامي العلاقات الاستثمارية بين الجانبين. كما شهد قطاع التكنولوجيا المالية توسعا ملحوظا في التعاون البحريني البريطاني مع دخول شركات بريطانية متخصصة في التكنولوجيا المالية والامتثال الرقمي إلى السوق البحرينية، من بينها شركة Themis البريطانية المتخصصة في تقنيات مكافحة الجرائم المالية، التي أعلنت توسعها في البحرين عبر الاستثمار في منصة AMAN الوطنية للامتثال المالي. وعلى الرغم من أن البحرين لا تعد أكبر شريك خليجي لبريطانيا من حيث حجم التبادل التجاري مقارنة بالإمارات والسعودية، إلا أن الاتفاقية قد تمنح المملكة مكاسب نوعية تتجاوز الأرقام التجارية التقليدية، خصوصا في قطاعات الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية والاقتصاد الرقمي والخدمات اللوجستية. وتنسجم هذه القطاعات مع التوجهات التي تركز عليها الاتفاقية نفسها؛ إذ تشير الوثيقة الاستراتيجية البريطانية إلى وجود اهتمام واضح بتوسيع التعاون في مجالات الخدمات المالية والتجارة الرقمية وتدفق البيانات والاستثمار والابتكار والتكنولوجيا الحديثة، وهي قطاعات تمتلك فيها البحرين بنية تنظيمية ومالية متقدمة على مستوى المنطقة. وفي ظل البيئة التنظيمية المرنة التي تتمتع بها البحرين، إلى جانب موقعها الجغرافي وشبكة الخدمات المالية والمصرفية المتطورة، قد تبرز المملكة كمركز إقليمي للشركات البريطانية الراغبة في التوسع داخل الأسواق الخليجية، خصوصا في مجالات “الفنتك” والخدمات المهنية والتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية. وبينما قد تذهب الحصة الأكبر من التجارة السلعية إلى الاقتصادات الخليجية الأكبر حجما، تبدو البحرين مرشحة لتحقيق استفادة مختلفة تقوم على جذب الخدمات والاستثمارات والشركات البريطانية الباحثة عن منصة تشغيل إقليمية داخل الخليج، لذلك قد لا تقاس استفادة البحرين من الاتفاقية بحجم التجارة فقط، بل بقدرتها على التحول إلى مركز للخدمات والاستثمار والأعمال المرتبطة بالسوق الخليجية الأوسع. إعادة رسم التحالفات وفي المقابل، تواصل دول الخليج توسيع شراكاتها الاقتصادية شرقا وغربا سواء مع الصين والهند ودول آسيا أو مع أوروبا وبريطانيا، في إطار توجه أوسع يهدف إلى تنويع العلاقات الاقتصادية وتقليل الاعتماد على شريك تجاري واحد. وخلال السنوات الأخيرة تسارعت التحركات الخليجية لعقد اتفاقات وشراكات اقتصادية دولية؛ إذ استأنفت دول الخليج والهند مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بعد سنوات من التوقف، كما شهدت العلاقات الخليجية الصينية توسعا متزايدا في مجالات الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا، إلى جانب توقيع الإمارات اتفاقيات شراكة اقتصادية شاملة مع عدد من الدول، أبرزها الهند وتركيا وإندونيسيا، في وقت تواصل فيه دول الخليج تعزيز تعاونها التجاري والاستثماري مع الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. كما تعكس الاتفاقية الخليجية البريطانية إدراكا متزايدا للدور الذي باتت تلعبه المنطقة في الاقتصاد العالمي، خصوصا مع تسارع مشاريع التحول الاقتصادي والرقمي، والطاقة النظيفة، وارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية في اقتصادات الخليج. ومن اللافت أن دول الخليج أصبحت تمثل بوابة مهمة للوصول إلى أسواق آسيا والمحيطين الهندي والهادئ، وهي مناطق تضم بعض أسرع الاقتصادات نموا عالميا؛ ما يمنح الاتفاقية أبعادا إستراتيجية تتجاوز التجارة الثنائية التقليدية. وفي وقت يشهد فيه العالم إعادة رسم للتحالفات الاقتصادية والتجارية وسط تصاعد المنافسة على الأسواق والاستثمارات والتكنولوجيا، تبدو اتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج والمملكة المتحدة أكثر من مجرد اتفاقية لخفض الرسوم الجمركية، بل خطوة تعكس تحولات أوسع في طبيعة الاقتصاد العالمي والعلاقات الاقتصادية الدولية. وبالنسبة للبحرين قد لا تقاس أهمية الاتفاقية بحجم التجارة فقط، بل بقدرتها على استثمار موقعها المالي واللوجستي والتنظيمي لجذب مزيد من الاستثمارات والشركات والخدمات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا والخدمات المالية. وفي ظل تسارع التحول نحو الاقتصادات القائمة على المعرفة والخدمات والتقنيات الحديثة، تبرز أمام البحرين فرصة لتعزيز موقعها كمركز إقليمي للأعمال والاستثمار داخل الخليج، خصوصا مع تركيز الاتفاقية على القطاعات المستقبلية ذات القيمة المضافة الأعلى. لكن في المقابل يبقى التحدي الحقيقي في قدرة دول الخليج، والبحرين خصوصا، على تحويل الاتفاقيات التجارية إلى مكاسب اقتصادية ملموسة تنعكس على الاستثمار والصادرات وفرص العمل وتعزيز تنافسية القطاعات غير النفطية خلال السنوات المقبلة.

Go to News Site