Collector
البحرين تحقق إنجازات مستدامة تتجاوز المؤشرات وترسّخ اقتصادًا صلبًا للمستقبل | Collector
البحرين تحقق إنجازات مستدامة تتجاوز المؤشرات وترسّخ اقتصادًا صلبًا للمستقبل
صحيفة البلاد البحرينية

البحرين تحقق إنجازات مستدامة تتجاوز المؤشرات وترسّخ اقتصادًا صلبًا للمستقبل

تُعدّ مملكة البحرين واحدة من أكثر الاقتصادات انفتاحاً وتنوعاً في منطقة الخليج العربي، إذ تجمع بين إرث تاريخي عريق في التجارة واللؤلؤ، وحاضر طموح يرتكز على الإصلاح الاقتصادي والتحديث المؤسسي. وفي سياق عالمي يشهد تحولات متسارعة نحو معايير الاستدامة والحوكمة الرشيدة، باتت التصنيفات الدولية المرجعيشة أداةً محوريةً لا لقياس أداء الدول فحسب، بل لاستقطاب الاستثمارات وبناء الثقة وتعزيز القدرة التنافسية على الصعيدين الإقليمي والعالمي. في هذا الإطار، تتصاعد أهمية تتبّع أداء البحرين في مؤشرات الاستدامة والحوكمة، لا سيما أن المملكة تمرّ بمرحلة دقيقة تتقاطع فيها إنجازات ملموسة في التنافسية والشفافية مع تحديات هيكلية جوهرية تتعلق بالاستدامة المالية والتنويع الاقتصادي. فمن جهة، تُسجّل البحرين تقدماً لافتاً في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، ومن جهة أخرى تواجه ضغوطاً متصاعدة على ملف المديونية السيادية الذي يُلقي بظلاله على مستقبل النمو المستدام. يتناول هذا التقرير رصداً تحليلياً لأبرز التصنيفات الدولية الصادرة في الفترة الممتدة بين عامَي 2025 و2026، ويغطي أربعة محاور رئيسية: الحوكمة ومكافحة الفساد، والتنافسية الاقتصادية، والتنمية البشرية المستدامة، فضلاً عن الاستدامة المالية. ويستند التقرير إلى مصادر دولية معتمدة تشمل منظمة الشفافية الدولية، ومعهد IMD السويسري، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومعهد ميلكين. تأتي أهمية هذا التقرير من كونه يُقدّم صورة متكاملة عن مواقع البحرين على الخريطة الدولية، بعيداً عن الرؤية الأحادية التي تنظر إلى مؤشر واحد دون سياق، فالتقييم الموضوعي يستلزم المقارنة الإقليمية والعالمية في آنٍ معاً، وفهم الديناميكيات التي تُحرّك هذه المؤشرات صعوداً وهبوطاً، والوقوف على الروابط التشابكية بين أبعاد الحوكمة والاستدامة والتنمية. وتجدر الإشارة إلى أن البحرين تُمثّل نموذجاً خليجياً استثنائياً من حيث حجمها الجغرافي الصغير مقارنةً بطموحاتها الاقتصادية الكبيرة، إذ تُنافس على استقطاب الاستثمارات والمواهب في مواجهة جيران أكثر ثقلاً نفطياً كالمملكة العربية السعودية والإمارات. وقد دفع ذلك البحرين إلى الاستثمار المبكر في منظومة التشريعات التجارية ومنظومة الخدمات المالية، مما أسهم في تعزيز مكانتها كمركز مالي وتقني إقليمي بارز. غير أن هذه الجهود التنافسية تصطدم بعقبة جوهرية تتمثل في الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية وتداعيات ذلك على التوازن المالي، وهو ما بدأ يظهر جلياً في تدهور التصنيفات الائتمانية السيادية خلال عام 2025. ومن هنا تنبع أهمية قراءة هذه المؤشرات في ترابط وتكامل، لاستخلاص رؤية واضحة حول مسار الاستدامة الشاملة في المملكة على المدى القريب والمتوسط. الحوكمة ومكافحة الفساد أصدرت منظمة الشفافية الدولية في فبراير 2026 نتائج مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، وقد جاءت البحرين في المرتبة 56 عالمياً من بين 180 دولة بحصولها على 50 نقطة من 100، وعربياً، تبوّأت المرتبة الخامسة بين 21 دولة عربية، لتكون ضمن النادي الضيّق من الدول العربية التي تجاوزت حاجز الخمسين نقطة، وهو المعيار الفاصل بين الدول ذات الكفاءة العالية في مكافحة الفساد وتلك التي لا تزال تعاني من إشكاليات هيكلية في هذا الملف. والجدير بالذكر أن هذا الرقم جاء بعد قفزة نوعية حققتها البحرين في عام 2024 حين ارتفعت إلى المرتبة 53 عالمياً بدرجة 53 مقارنة بالمرتبة 76 بدرجة 42 في عام 2023، وهو ما جعلها الدولة العربية الأكثر تحسناً في المؤشر لتلك السنة، ويعكس هذا المسار الإصلاحي التزاماً مؤسسياً حقيقياً بتعزيز الشفافية وتطوير الأطر الرقابية. التنافسية الاقتصادية والحوكمة المؤسسية في مؤشر التنافسية العالمية لعام 2025 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD) في سويسرا، حافظت البحرين على موقعها المتقدم بحصولها على المرتبة 22 عالمياً من بين 69 دولة، والمرتبة الرابعة على المستوى العربي، محققةً 76.56 نقطة، ويُعزى هذا الأداء المتميز إلى تحسّن ملموس في ثلاثة محاور رئيسية: كفاءة الحكومة، وكفاءة بيئة الأعمال، والبنية التحتية. وقد تصدّرت البحرين الدول العربية في مؤشر ممارسة الأعمال لعام 2025 وفق مؤشر الفرص العالمي الصادر عن معهد ميلكين الأمريكي، مما يكشف عن بيئة تنظيمية جاذبة للاستثمار وتنافسية في مجال ريادة الأعمال. كما انضمت مدينة المنامة إلى تصنيف المدن الذكية 2025 الصادر عن IMD، محتلةً المركز 36 من أصل 146 مدينة، متجاوزةً مدناً عالمية كبرى مثل برلين ونيويورك وباريس. التنمية البشرية المستدامة في تقرير التنمية البشرية لعام 2025 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، احتلت البحرين المرتبة 38 من بين 193 دولة بقيمة 0.899، لتُصنَّف ضمن الدول ذات التنمية البشرية العالية جداً وعلى المستوى الخليجي، جاءت البحرين في المرتبة الثالثة بعد الإمارات (المرتبة 15) والمملكة العربية السعودية (المرتبة 37)، متقدمةً على قطر (43) وسلطنة عُمان والكويت. يعكس هذا التصنيف المتقدم نجاحات البحرين في تحقيق مؤشرات الصحة والتعليم ومستوى المعيشة، وهي الأبعاد الثلاثة الرئيسة لمؤشر التنمية البشرية. وتبقى هذه النتيجة موضع اعتزاز إذا ما قُورنت بحجم المملكة الجغرافي ومواردها الاقتصادية مقارنةً بجيرانها الخليجيين الأكبر ثقلاً نفطياً. في الختام، تكشف قراءة المؤشرات الدولية عن مشهد بحريني متعدد الأبعاد؛ قوي في التنافسية الاقتصادية والحوكمة المؤسسية، ومتقدم في التنمية البشرية، لكنه يواجه ضغطاً حقيقياً ومتصاعداً على صعيد الاستدامة المالية، ويمكن إجمال أبرز الاستنتاجات على النحو التالي، تمثّل البحرين نموذجاً ناجحاً في بناء منظومة حوكمة مؤسسية فاعلة وإصلاح بيئة الأعمال، وهو ما تعكسه تصنيفاتها المتقدمة في مؤشرات التنافسية ومكافحة الفساد والتنمية البشرية، ويحتاج تصنيف البحرين في مؤشرات ESG البيئية إلى دعم متواصل عبر تسريع وتيرة الانتقال إلى الطاقة المتجددة والوفاء بالتزامات المناخ المُعلنة. رابعاً، تستمد البحرين ميزتها التنافسية من صغر حجمها وسرعة تكيّفها التشريعي، وهي مزايا ينبغي توظيفها لاستقطاب الاستثمارات الرقمية والمالية التي تدعم النمو المستدام.

Go to News Site