صحيفة البلاد البحرينية
السخرية أمام القاضي أداة مشروطة بالحكمة والاعتدال سلّطت دراسة قانونية أعدّها المحامي عبدالله الشملاوي الضوء على فن المرافعة، مؤكدة أهمية مهنة المحاماة ودورها المحوري في إرساء العدالة، بعيدا عن الصور النمطية المتداولة، ومستعرضة كذلك مفهوم المرافعة بوصفها عملية تجمع بين قوة الحجة وبلاغة التعبير، إلى جانب إبرازها للمهارات الأساسية التي ينبغي أن يتحلّى بها المحامي، مثل حسن العرض والقدرة على الإقناع والارتجال، فضلا عن تناولها الشروط والضوابط المهنية التي تعزز فاعلية المرافعة وتأثيرها في إقناع القاضي داخل قاعة المحكمة. حامي الضعفاء وأوضح المحامي الشملاوي خلال دراسته أن مهنة المحاماة تعد أشرف وأنبل رسالة، مبينا أن المحامي هو حامٍ للضعفاء عند عامة الناس؛ فهو يدافع عنهم متبرعا أو مأجورا، ليوصل صوت موكليه لممثلي العدالة وصولا إلى الحق، في حين يعدّه البعض الآخر ثرثارا وأجيرا، الكلام صناعته والكذب بضاعته، سيّان عنده الدفاع عن الحق أو الباطل، مشيرا الشملاوي إلى إن الحقيقة وسط بين الاثنين؛ ذلك أن المحاماة تبقى مهنة شريفة، ولا يضرها أن يكون بعض أفرادها يسيئون إليها، كما هو حال سائر المهن. زوجة غيور وأضافت الدراسة أن المحاماة مهنة قديمة، وضرورية كضرورة العدالة، وتعد هي روح العدالة، إلا أن عيبها أنها “زوجة غيور” لا تقبل بالشريك، مبينة أن المهن الأخرى والعلوم التي يتعاطاها المحامي تعد بمثابة وصائف وجواري يخدمن تلك الزوجة الغيور (مهنة المحاماة). عبء الدفاع وتضمنت الدراسة أن مهنة المحاماة شق من القضاء، فالآخر يزن ويرجح، بينما المحامي يؤسس ويؤصل ويبدع، ويظل مع ذلك مظلوما حتى من موكله، فإن كسب قضية عزا الموكل ذلك الكسب لعدالة قضيته ووضوحها ونزاهة القاضي، وإن خسر الدعوى فلا يسلم الموكل لخصمه بالحق، بل يعزو ذلك لتقصير محاميه مهما بذل الأخير من عظيم جهد يصل لحد تقشير الماء وطحنه. روح رياضية وبيّنت أن المقصود بالمرافعة هو مباراة تدار بروح رياضية أساسها الصدق، تحت رقابة القضاء، وفي ظل حكمة أزلية هي “العدل أساس الملك”، وينبغي على كل من المتبارين السعي لإقناع المحكمة بحقه، وفيها يعد الخاسر والكاسب في المباراة سواء، مشيرة إلى أن المرافعة عملية ذهنية سريعة، أي تحتاج من المحامي أن يسهر الليالي ليستنطق الأوراق ويحاورها؛ إذ يمكن لبعض الكلمات أن توصله لحقه، شريطة أن تمتاز تلك الكلمات بسحرها الخاص ضمن تراكيب لغوية جذابة تتاح للمحامي من خلال كثرة القراءة والاطلاع والمران والمناقشة، ومتابعة السوابق القضائية. فن الإقناع وتابعت الدراسة: حتى تكون المرافعة سلاحا للمحامي، يجب أن يتسم بالإخلاص في عرض الوقائع، ومناقشة الأدلة؛ ذلك أن الكلام الغامض عن وقائع غير واضحة يجعلها أكثر غموضا وأقل فهما. وبيّنت أنه حتى لا يكون المحامي مملا بمرافعته يشترط في المرافعة وحدة الموضوع، والتدرج في الأفكار، من البسيطة حتى عقدة الدعوى، مع مراعاة درجة وطبيعة ومستوى المترافع، والابتعاد عن أسلوب الوعظ؛ لأنه مُمل، بل على المحامي تزيين مرافعته بما يُناسب المقام من ألفاظ عربية خالية من اللحن اللغوي، مع المحافظة على احترام المنصة وعدم الخروج عن الوقار، فضلا عن الاعتدال، بحيث لا يرمي زميله بشيء يجرحه؛ لأن ذلك قد يثير لغطا يُضيِّع على المترافع هدفه، وعدم تجريح الشهود قدر الإمكان، بل السعي لأن يجعل الشاهد ينكر أو يغير أقواله السابق الإدلاء بها، والاعتراف بوقائع لصالح من شهد ضده، أو على الأقل جعله متضاربا في أقواله، فإذا شاب الشهادة – كدليل – احتمال سقطت في الاستدلال. أثر البداية وبيّنت الدراسة أن حسن بداية المرافعة أو الخطبة القضائية له أثر فعال في نفس القاضي، لذا يجب على المحامي أن يركز على عنصر التشويق مع الاعتدال، أي عدم الإسراف في المقدمة أو التشويق، مؤكدة أن خاتمة المرافعة لا تقل أهمية عن مطلعها، فما يقوله المحامي في النهاية يبقى يرن في الآذان وعالقا بالأذهان، ولذلك يجب ألا تكون الخاتمة بعيدة عن الموضوع، وأن تكون قصيرة قدر الإمكان، لا جديد فيها ولا تكرار. هيكلة المرافعة وبيّن الشملاوي في دراسته أن بعض المحامين يميلون إلى تقسيم المرافعة إلى مقدمة تمهيدية، ثم عرض موضوع القضية وهو جوهر المرافعة، إلا أن البعض منهم قد يخرج عن هذا النسق ويسوق الوقائع ويناقشها، حتى إذا انتهى من السرد تكون أدلة الخصم قد تساقطت تباعا، مبينا أنه مهما كانت فطنة القاضي، فإنه ينظر إلى الواقع في كثير من الأحيان بعدسة مكبرة، هي مرافعة المحامي التي تسلط الضوء على وقائع لو لم يعرض لها المحامي لقضى لخصمه، مؤكدا أنه يجب أن يتحلى بالصبر مهما قوطع، حتى يصل بخلقه وسحر بيانه وحسن عرضه لواقع النزاع إلى عقل قاضيه، على أن ذلك ليس مانعا له من مهاجمة الخصم؛ لقول محكمة النقض الفرنسية “لا دفاع بغير هجوم”. فن الارتجال وأوردت الدراسة أنه إذا ألزمنا المحامي أن يقيس ألفاظه ومعانيه، وأن يخشى ما قد يعطى لها من تفسير لم يقصده، أو يرهب ما قد تؤدي إليه من معانٍ لم تخطر له ببال، فإننا نكون قد قضينا على كل مرافعة ارتجالية، وأطفأنا جذوة البلاغة القضائية؛ لأنه لا مرافعة بغير ارتجال، مبينة أنه حتى يتحقق للمحامي ذلك يجب أن يدرب نفسه على الإلقاء، إضافة للتكوين الأدبي، وأن يحفظ المأثورات من آيات الذكر الحكيم والحديث النبوي الشريف، ومن شعر ونثر وتاريخ. بلاغة التعبير وأكدت أن حسن التعبير أفيد للمترافع من حجة قوية دون ثوب بلاغي يداعب سمع القاضي وأوتار قلبه، مبينة أن العلم وحده لا يكفي، وبلاغة التعبير وحدها لا تنفع، بل لا بد من الاثنين معا، كل ذلك مع مراعاة نفسية القاضي، والاستعداد للاستفادة مما يطرأ بالجلسة وتوظيفه لصالح الموكل، بدلا من الارتباك بسببه، أو الانفعال أو السب، أو ذكر وقائع غير مجدية، أو التعرض لأشخاص ليسوا أطرافا في الدعوى، فكل ذلك يجب على المحامي تجنبه لما في ذلك من صرف للأذهان عما يبتغيه في مرافعته. مسار المرافعة وأفاد الشملاوي في دراسته بأن المرافعة خطبة موجهة للمحكمة وليست للجمهور، فإذا أحس القاضي أن المحامي يريد الظهور فقدت مرافعته قوتها وحجيتها، مستدركا أنه يجب الابتعاد عن السخرية، وعدم اللجوء إليها إلا بقدر وحكمة؛ ذلك أن القاضي لا يسره أن تسليه على حساب خصومك، لكنه يتوقع منك أن تقدم إليه حججا مقنعة يستعين بها في تركيز حيثيات حكمه، فضلا عن عدم مهاجمة المحامي لقاضيه، بل أن يستحوذ على انتباهه ومتابعته؛ فمهمة المحامي أن يجعل القاضي يقتنع بحجته، لا أن يبين للسامعين أنه مصيب والقاضي مخطئ، ومؤكدا أن المرافعة موجهة للقاضي وليست للجمهور.
Go to News Site