Collector
تحقيق "البلاد": في زحام الأخبار والمعلومات.. متى تتحقق الثقة لدى البحرينيين؟ | Collector
تحقيق
صحيفة البلاد البحرينية

تحقيق "البلاد": في زحام الأخبار والمعلومات.. متى تتحقق الثقة لدى البحرينيين؟

حسن عبدالرسول: القارئ والمتلقي قد يقعان فريسة “التفسيرات المشوشة” د. لولوة بودلامة: المشكلة ليست في نقص المعلومات بل “معالجتها” مهند سليمان: القواعد المهنية تلزم التمييز بين المحتوى والانطباع مصطفى الشاخوري: الثقة تُبنى بالسبق المهني لا بالسبق الزمني شيخة بوكمال: الجمهور يفقد الثقة حين يشعر بالمبالغة والتهويل محمود البنخليل: دور الإعلام الوطني يتجاوز نقل الأخبار يحاصر تدفق الأخبار والمقاطع والصور والتغريدات وكم هائل من المعلومات المتلقين، سواء في مملكة البحرين أم في كل بقاع الأرض، بصورة تثير تساؤلًا كبيرًا: ”من يمنح الناس ما يكفي من المصداقية ليصدقوه؟ وكيف تُبنى الثقة في زحام الصحيح والمبتور والمضلل؟”. في هذا الملف، يتحدث عدد من الزملاء الإعلاميين والأكاديميين البحرينيين لنفهم سياقات ونسوق مفاهيم، لعلها تضعنا أمام تحقق الثقة لدى المتلقي البحريني في زمن التشبع المعلوماتي، لا سيما في ظروف أوضاع استثنائية جراء الاعتداءات الإيرانية الغاشمة، والدور المتعاظم للإعلام الوطني باعتباره سياح حماية للمجتمع البحريني: حسن عبدالرسول: المهنية أولًا وكمدخل، نسأل :”هل الأولوية لفهم المعلومات والأسلوب المتميز في معالجة القضايا أم للسرعة؟”، وعلى هذا المسار، يؤمن الصحافي حسن عبدالرسول من صحيفة “البلاد” أن جزءًا من أزمة الثقة مرتبط بغياب التفسير العميق أحيانًا، ويوضح أن كثيرًا من الناس لا يبحثون فقط عن ماذا حدث - وإن كان هناك شريحة تكتفي بذلك - إلا أن الشريحة الأكبر تريد أن تعرف لماذا حدث وما الأثر؟. ومرورًا على الصحافة الخليجية والعربية، هناك نماذج من الاكتفاء بنقل الخبر دون عمقه وسياقاته، وهنا، يؤكد عبدالرسول أن القارئ أو المتلقي أو المشاهد سيكون فريسة لتفسيرات متعددة ومشوشة لا سيما على وسائل التواصل، ولأن المواطن والمقيم اليوم أكثر وعيًا وتعليمًا ومتابعةً، يحتاج إلى مادة مهنية تشرح وتفسر وتتعمق، لا مجرد “تنشر فقط”. شيخة بوكمال: وفق دراستي وتتفق الباحثة والأكاديمية شيخة بوكمال مع ما طرحه الصحافي حسن عبدالرسول لتتوسع في الإشارة إلى أن المصداقية تبدأ من احترام عقل الجمهور، وتوضح قولها: ”القارئ والمشاهد اليوم لا يبحثان فقط عن خبر عاجل أو عنوان مثير، بل يريدان معلومة دقيقة مفهومة، وسياقًا يشرح الخلفيات وتحليلًا يربط الحدث بحياتهما اليومية بعيدًا عن التهويل أو التبسيط المخل، فالجمهور – وفق دراستي العلمية - يريد إعلامًا يحترم وقته ووعيه ويجيب عن أسئلته الحقيقية: ماذا حدث؟ لماذا حدث؟ وكيف يؤثر عليّ؟ لأن الثقة تبدأ حين يشعر المتلقي أن الحقيقة قُدمت له كاملة بصدق ومسؤولية”. وتواصل لتشرح القول بأن الثقة لا تنفصل عن أسلوب التناول الإعلامي، فالجمهور يفقد ثقته حين يشعر بالمبالغة أو التهويل أو الاستهانة بوعيه، فالصحافة الناجحة هي التي توازن بين السرعة والمهنية وبين الجاذبية والدقة، ثم أساس “الثقة” هو احترام عقل المتلقي. مهند سليمان: التمييز بين المحتوى والانطباع ولخبرته الطويلة على الجانبين المهني والبحثي في الوسائط الرقمية وكأول صانع محتوى عبر الهواتف الذكية منذ عام 2009، يلفت الإعلامي مهند سليمان النعيمي إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أعادت تشكيل المشهد الإعلامي بالكامل، حيث أصبح كل شخص قادرًا على النشر، لكن ليس كل ناشر صحافيًا، وعند سؤاله: ”كيف ذلك؟” يجيب: “الصحافي ملزم بقواعد مهنية وأخلاقية صارمة، تبدأ من التحقق من المعلومات، وتمرّ بالمسؤولية القانونية والمجتمعية، وتنتهي بالحفاظ على المصداقية، خلافًا لأي شخص قادر على النشر بضغطة زر! والتحدي الأكبر اليوم يتمثل في التمييز بين المحتوى والانطباع، وبين الحقيقة والرأي الشخصي، وبين السبق المهني والفوضى الرقمية”. ويضيف أن التحولات الرقمية السريعة أوجدت بيئة مفتوحة تتدفق فيها المعلومات دون حواجز، ما جعل الجمهور أمام كم هائل من الأخبار والمقاطع والآراء، بعضها صحيح وكثير منها يفتقد الدقة أو السياق، والمشكلة هنا لم تعد في الوصول إلى المعلومة، بل في القدرة على التحقق منها وفهم خلفياتها ومصادرها، كذلك السرعة أصبحت أحيانًا عدوًا للحقيقة، وأن بعض المنصات تكافئ الإثارة أكثر مما تكافئ المصداقية. ويتابع قوله إننا نعيش اليوم عصرًا يحتاج فيه الجمهور إلى ثقافة التحقق بقدر حاجته إلى الخبر نفسه؛ لأن الوعي الإعلامي لم يعد ترفًا، بل ضرورة يومية لحماية المجتمعات من التضليل والشائعات وصناعة الانطباعات الزائفة، ومن هذا المنطلق، يؤكد أن بناء الثقة يجب أن يكون شراكة حقيقية بين المتلقي ووسائل الإعلام على اختلافها، تقوم على الشفافية، والدقة، واحترام عقل الجمهور. ويشدد النعيمي على أن المنصات الرقمية منحت الجميع صوتًا، لكنها لم تمنح الجميع المصداقية، فالمصداقية تُبنى بالتراكم المهني والالتزام والقدرة على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه، لا بعدد المتابعين أو سرعة الانتشار، ولهذا فإن مستقبل الإعلام لن يكون للأسرع فقط، بل للأكثر قدرة على تقديم محتوى موثوق عميق، وإنساني يحترم الحقيقة ويستوعب طبيعة التحولات الرقمية المتسارعة. مصطفى الشاخوري: المهنى أم الزمني؟ ويرسخ الحضور المهني للإعلام المحلي ركائز رئيسة تقوم على تقديم ما يلبي رغبة جمهور القراء والمشاهدين والمتابعين، ولهذا يرى الصحفي مصطفى الشاخوري من صحيفة الأيام أن المشكلة لم تعد في وفرة الأخبار، بل في تراجع معايير التحقق لدى بعض المنصات، علاوةً على أن المواطن البحريني أصبح أكثر وعيًا لكنه أيضًا أكثر حذرًا، بسبب تجارب متكررة مع معلومات ناقصة أو مضللة في مختلف المنصات والمواقع. ويستدرك ليشير إلى جانب مهم بقوله :”الثقة لا تتحقق لأنك نشرت أولًا، بل لأنك كنت الأدق، أقول ذلك لأن الجمهور قد ينجذب للسرعة، لكنه يعود دائمًا إلى المصدر الذي لا يخذله، لذا نقول إن الإعلام والصحافة الوطنية مطالبة دائمًا بتعزيز الحضور المهني وتقديم المعلومة الموثقة بلغة سريعة وواضحة، لأن الفراغ الإعلامي تملؤه الشائعة بشكل كبير”، معيدًا التذكير بأن الثقة تبنى بالسبق المهني لا بالسبق الزمني. ويؤكد الشاخوري أن التحقق من المصادر والتأكد من دقة المعلومة قبل النشر لم يعد مجرد إجراء مهني شكلي، بل أصبح أساسًا في بناء الثقة وحماية المجتمع وصناعة إعلام مسؤول، خصوصًا في ظل بيئة رقمية سريعة قد تنتشر فيها المعلومة الخاطئة خلال دقائق، لكنها تترك آثارًا طويلة على الأفراد والمؤسسات وحتى الأوطان. ويشير إلى أن الإعلامي أو صانع المحتوى الذي ينشر معلومات غير دقيقة يفقد ثقة الجمهور بسرعة، بينما تُبنى السمعة المهنية على الدقة والموثوقية والاستناد إلى مصادر واضحة ومتعددة، لافتًا إلى أن التحقق من المعلومات لا يقتصر على نقل الخبر فقط، وإنما يشمل التأكد من السياق الكامل، ومقارنة الروايات، والتحقق من الصور والفيديوهات، والتمييز بين الرأي والخبر، وعدم الانجرار وراء السبق الزمني على حساب الحقيقة، فخطورة الأخبار المضللة لا تقف عند حدود الخطأ المهني، بل قد تمتد إلى إثارة الذعر أو الاحتقان المجتمعي والسياسي والطائفي، والتأثير على وعي الناس وقراراتهم، فضلًا عن الإضرار بسمعة الأفراد والمؤسسات دون وجه حق، منوهًا إلى أن الصحافة والاعلام الوطني وكذلك منصات التواصل مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتقديم محتوى مهني متوازن يحترم عقل المتلقي، ويحافظ على الأمن المجتمعي ويعزز الوعي الحقيقي القائم على الحقائق لا الانفعالات. ويختتم الشاخوري بالتأكيد على أن الإعلام المسؤول هو القادر على الموازنة بين سرعة النشر ودقة المعلومة، مؤكدا على القاعدة الذهبية للنشر والتي يعلمها أساتذة الإعلام لطلابهم منذ السنوات الأولى:”أن تتأخر قليلًا وتنشر الحقيقة، أفضل من أن تسبق الجميع وتنشر معلومة خاطئة”. لولوة بودلامة: الفهم وكشف التضليل وتنظر الكاتبة والأكاديمية الدكتورة لولوة بودلامة (عضو مجلس إدارة جمعية الصحفيين البحرينية) من زاوية أكاديمية أوسع، معتبرة أن الثقة لا تُبنى فقط عبر الإعلام الجيد، بل أيضًا عبر جمهور يمتلك أدوات القراءة النقدية، لأن المجتمع بحاجة إلى تعزيز ما يمكن أن نسميه “الثقافة أو التربية أو الغرس الإعلامي” في مراحل مبكرة، حتى يستطيع الأفراد التمييز بين المصادر وفهم الرسائل وكشف التضليل. وتقف قبال زمن الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى السريع، لتشير بالقول :”لم تعد المشكلة في نقص المعلومات، بل في جودة الاختيار والمعالجة والتدقيق والموضوعية، أضف إلى ذلك، أن المستقبل لن يكون لمن يستهلك المحتوى فقط، بل لمن يحسن تحليله ويفكك رسائله ويميز بين الحقيقة والتوجيه والتضليل”. محمود البنخليل: الشراكة في الوعي وينشط الإعلامي محمود البنخليل في الكثير من المواقع والمجالات والتواجد مع مختلف شرائح المجتمع بل وتعدد الأحداث، وهذا ما جعله يرى أن من الأهمية بمكان أن يلعب الإعلام الوطني دورًا يتجاوز نقل الأخبار، ليصل إلى حماية الاستقرار المجتمعي، خصوصًا في أوقات الأزمات. ولو تمعنا في السؤال الرئيس: ”متى تتحقق الثقة لدى المتلقي البحريني؟”، أقول إنها – أي الثقة – تتعزز حين يشعر المواطن أن الإعلام ليس مجرد ناقل بل شريك في الوعي، ويوازن بين الشفافية والمسؤولية، وبالدرجة الأولى، حين تتعلق القضايا بالأمن أو الاقتصاد أو السلم المجتمعي، تصبح الكلمة مسؤولية وطنية ثقيلة الحمل، لكنها واجبة. الـ “ديجيتال ميديا” بين سرعة النشر ودقة المعلومة محمد الساعي: ثقة الجمهور قد تتضرر بسبب خبر واحد غير دقيق زهراء حبيب: يلزم الصحافي المحترف التحليل وفهم السياقات محمد العالي: اتساع مساحة المحتوى غير المنضبط يخلط الخبر بالشائعة فعليًا، أصبحت سلامة المعلومات وتدقيقها واحدة من أكبر التحديات التي تواجه المؤسسات الإعلامية والصحفيين، وبين ضغط السرعة وتدفق المحتوى غير الموثق، وتنامي الذكاء الاصطناعي والتزييف الرقمي، تبرز الحاجة إلى منظومة مهنية وإدارية أكثر صرامة لضمان حماية الحقيقة وصون ثقة الجمهور. لا يمكن التهاون وفي هذا السياق، يشخص المحرر الاقتصادي بصحيفة “أخبار الخليج” الصحافي محمد مكي الساعي العصر الرقمي باعتباره فرض واقعًا إعلاميًا شديد التعقيد، تتداخل فيه الأخبار الصحيحة بالمعلومات المضللة، الأمر الذي يجعل التدقيق والتحقق من المحتوى مسؤولية مهنية ووطنية لا يمكن التهاون بها. ويلفت إلى أن بعض المؤسسات الصحفية والإعلامية على مستوى العالم أسست وحدات متخصصة للتحقق من الأخبار والمحتوى الرقمي، مع اعتماد سياسات تحريرية واضحة تلزم الصحفي بالرجوع إلى المصادر الرسمية والموثوقة قبل النشر، أضف إلى ذلك أن الإدارة الإعلامية الناجحة يجب أن توازن بين سرعة النشر ودقة المعلومة، لأن السبق الصحفي لا قيمة له إذا كان على حساب المصداقية، والثقة التي يبنيها الإعلام مع جمهوره عبر سنوات قد تتضرر بسبب خبر واحد غير دقيق. ويمسك خيط الحديث من زاوية ذات أهمية بالقول: “من أبرز التحديات هي تدفق المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون رقابة أو تدقيق، إضافة إلى انتشار الحسابات الوهمية، ومحاولات التأثير على الرأي العام عبر حملات منظمة تستخدم التلاعب بالمحتوى والصور والمقاطع المجتزأة، ولنتفق على أن الذكاء الاصطناعي يمثل سلاحًا ذا حدين، إذ يمكن الاستفادة منه في دعم العمل الصحفي، لكنه في الوقت نفسه أوجد تحديات خطيرة مرتبطة بتزييف المقاطع الصوتية والمرئية وصناعة محتوى يصعب أحيانًا اكتشاف زيفه دون أدوات متقدمة وخبرات متخصصة”. ويختصر جوهر أهم المعايير، وهي أن الإعلام المهني الحقيقي سيظل قائمًا على قواعد ثابتة لا تتغير، أهمها الدقة والشفافية والمسؤولية واحترام عقل المتلقي. الموجه والمفبرك وتمتلك كبير المحررين بصحيفة “الوطن” الصحفية زهراء حبيب رؤية عميقة في هذا الجانب، إذ ترى أن الحفاظ على سلامة المعلومات في العصر الرقمي يتطلب بناء ثقافة مؤسسية قائمة على التدقيق والتحقق المستمر، لأن التطور التكنولوجي السريع فرض تحديات غير مسبوقة على غرف الأخبار التقليدية. وتضيف جوانب مهمة بقولها: “إن المؤسسات الإعلامية مطالبة اليوم بوضع أنظمة تحريرية وإدارية دقيقة تشمل تعدد مستويات المراجعة، وعدم الاكتفاء بالمصادر المتداولة عبر المنصات الرقمية، مهما بدا انتشارها واسعًا، فالصحفي المحترف يجب أن يمتلك مهارات تحليل المعلومات وفهم سياقاتها، والقدرة على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى الموجه أو المفبرك”. وعن أهم التدابير المطلوبة لا سيما في نطاق التدريب المستمر للصحفيين على أدوات التحقق الرقمي، وضعت تعزيز ثقافة المسؤولية المهنية داخل المؤسسة في المقدمة، إلى جانب بناء قنوات اتصال مباشرة مع الجهات الرسمية والمصادر الموثوقة لضمان سرعة الوصول إلى المعلومات الدقيقة، فأحد أخطر التحديات يتمثل في حالة “التضخم المعلوماتي” التي يعيشها العالم، حيث أصبحت الجماهير تتلقى كمًا هائلًا من الأخبار والمقاطع والتعليقات بصورة متواصلة، ما يصعّب أحيانًا التمييز بين الحقيقة والشائعة. وتستدرك لتعالج نقطة مهمة وهي أن الضغوط المرتبطة بسرعة النشر والتفاعل اللحظي على المنصات الرقمية قد تدفع بعض المؤسسات أو الأفراد إلى التسرع، وهو ما يهدد المعايير المهنية ويؤثر على ثقة الجمهور بالإعلام، ويعلم الكثيرون أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة فرضت ضرورة تحديث أدوات العمل الصحفي، ليس فقط للاستفادة من التكنولوجيا، بل أيضًا لمواجهة مخاطرها، خصوصًا مع تنامي ظاهرة “التزييف العميق” والمحتوى المضلل الذي يتم إنتاجه بصورة احترافية. المحتوى غير المنضبط يشرح رئيس الصحافيين بصحيفة “جي دي إن” محمد العالي الموضوع باعتباره من أخطر ما يواجه المؤسسات الصحفية اليوم، ولا يقتصر ذلك على تسارع تدفق المعلومات الرقمية فحسب، بل اتساع مساحة المحتوى غير المنضبط الذي قد يختلط فيه الخبر بالشائعة والتحليل بالانطباع والمعلومة المهنية بالمحتوى الموجه، ما يضع القيادات الإدارية والتحريرية أمام مسؤولية كبيرة لحماية جوهر المهنة ومعاييرها. ويوضح العالي أن دور القيادات الصحفية لم يعد يقتصر على إدارة غرف الأخبار أو متابعة الإنتاج اليومي، بل أصبح يتمثل بصورة أكبر في ترسيخ منظومة مهنية صارمة تضمن التحقق، والتدقيق والمساءلة، ذلك لأن الإدارة الصحفية الواعية مطالبة اليوم ببناء ثقافة مؤسسية تعتبر كل معلومة منشورة مسؤولية مهنية ووطنية، خصوصًا في زمن تستطيع فيه الأخبار الرقمية أن تنتشر خلال دقائق وتؤثر في الرأي العام قبل التحقق منها. والسؤال: “هل هذا تحد حقيقي وما العمل؟”، يجيب بالقول: “بالتأكيد، ويكمن في قدرة القيادات الإعلامية على خلق توازن بين مواكبة العصر الرقمي والاستفادة من أدواته، وبين حماية المؤسسة من الانزلاق نحو الإثارة أو التسرع أو إعادة تدوير معلومات غير موثوقة، فالمهنية تبدأ من القرار الإداري الذي يضع معايير واضحة للمصادر، ويعزز التدريب المستمر للصحفيين ويطور أدوات التحقق الرقمي، ويكرس قاعدة “تأكد ثم انشر”، مشددًا على أن الصحافة الجادة في العصر الرقمي لا يمكن أن تبقى رهينة رد الفعل، بل يجب أن تكون مبادرة في بناء الثقة، لأن القارئ اليوم لا يبحث فقط عن الخبر، بل عن الجهة التي تمنحه الاطمئنان إلى صحة ما يقرأ. الورق تحت حصار الشاشة... هل ينجو عرش الصحافة قبل فوات الأوان؟ تكشف دراسة الباحثين يوسف الحوراني ورفعت العلان بمركز الرأي للدراسات والتدريب الإعلامي أن الصحافة الورقية لا تواجه مجرد منافسة تقليدية من الإعلام الرقمي، بل تعيش مرحلة تحول هيكلي عميق تفرضها الأرقام بوضوح. فبينما ارتفعت موارد الصحف من مواقعها الإلكترونية بنسبة 33 % سنويًا، نما جمهور الصحف الرقمية بنسبة 200 % خلال خمس سنوات، في وقت تراجعت فيه معدلات توزيع الصحف الورقية بنحو 5% سنويًا في بعض الأسواق، ما يعكس انتقالًا متسارعًا في سلوك الجمهور نحو المنصات الأسرع والأكثر مرونة. ورغم أن أكثر من 439 مليون شخص ما زالوا يشترون يوميًا نسخًا من 7700 صحيفة حول العالم، بإجمالي جمهور يتجاوز مليار قارئ، فإن هذا الحضور التقليدي يواجه ضغوطًا تشغيلية واقتصادية حادة. ففي الولايات المتحدة وحدها، انخفضت المبيعات بنسبة 7 %، وتراجع التوزيع اليومي 5.2 %، بينما هبطت عائدات الإعلانات 7 %، مع خسائر سوقية وصلت في بعض المؤسسات إلى 70 % من قيمة الأسهم. الأرقام الديموغرافية تكشف تحديًا أخطر؛ إذ يبلغ متوسط عمر قارئ الصحيفة الورقية في أمريكا 55 عامًا فأكثر، فيما لا يرى سوى 19 % من الشباب بين 18 و34 عامًا أنفسهم قراءً للصحف المطبوعة، ما يعني أن المستقبل الجماهيري ينتقل تدريجيًا إلى البيئة الرقمية. كما سرّعت الأزمة المالية العالمية هذا التحول، بعد إغلاق 121 وسيلة إعلامية بين 2008 و2009 وارتفاع أسعار الورق إلى 1050 دولارات للطن، ومع ذلك، تظهر بعض الأسواق العربية مرونة نسبية بسبب تفاوت البنية التقنية. وهنا يمكن القول إن الصحافة الورقية لا تختفي فورًا، لكنها تتحول من نموذج أحادي إلى نموذج “مختلط التكوين.. هجين”، حيث سيكون البقاء للمؤسسات القادرة على الجمع بين مصداقية الورق وسرعة الرقمي، وفهم جمهور بات يختار المنصة التي تمنحه الخبر الأسرع والثقة الأكبر. معركة الوعي الحاسمة.. بين الحقيقة والتضليل في البحرين، كما في مختلف أنحاء العالم، قد تبدو الشائعة أحيانًا أسرع من الحقيقة، لكنها ليست بالضرورة أقوى منها، لأن قوة الحقيقة لا تُقاس بسرعة انتشارها فقط، بل بقدرة المجتمع على حمايتها عبر إعلام مهني، ووعي جماهيري، وتشريعات واضحة. وبين زحام الأخبار، وفوضى المنصات، وتسارع المحتوى الرقمي، تتأكد حقيقة أساسية مفادها أن الثقة لا تُبنى بكثرة ما يُنشر، بل بجودة ما يُقدَّم، ودقة ما يُتحقق منه، ومسؤولية من ينقله. ولهذا، فإن مفاتيح الانتصار للمعلومة على الشائعة تبدأ من سرعة دون تسرع، ودقة تسبق الإثارة، وتفسير يشرح لا مجرد نقل، وشفافية تخضع للمساءلة، وثقافة إعلامية تعزز الوعي، واحترام حقيقي لعقل الجمهور. لقد تغيّر شكل الإعلام، وتبدلت أدواته، لكن القاعدة الجوهرية بقيت ثابتة: حين يثق الناس بالمصدر، ينجو المجتمع من الفوضى، وحين تغيب الثقة، لا تصبح الحقيقة وحدها في خطر... بل يصبح الوعي العام نفسه بحاجة إلى من يدافع عنه.

Go to News Site