صحيفة البلاد البحرينية
يُقدَّم الدوبامين في وسائل التواصل الاجتماعي بوصفه “هرمون السعادة”، وانتشر هذا المفهوم على نطاق واسع، وترافق معه ظهور مصطلحات مثل “إدمان الدوبامين” و “ديتوكس الدوبامين”، إلى جانب نصائح لزيادة مستواه وسلسلة من المفاهيم التي تربط بينه وبين المتعة الفورية وغياب الشغف وتراجع القدرة على التركيز. وللوقوف على حقيقة ما هو متداول عن الدوبامين، كان لـ “صحتنا” لقاء مع استشارية الطب النفسي الحاصلة على الزمالة الكندية في الطب النفسي التواصلي والجسدي د. هيا النعيمي، التي أكدت أن الإدمان على الهاتف والألعاب الإلكترونية يرتبط بخلل في نظام الدوبامين، لافتةً إلى أنه يمكن “إعادة ضبط” الدماغ عبر تقليل المحفزات؛ ما يمنح الفرصة لمستقبلات الدوبامين في الدماغ للعمل بكفاءة أكبر، ونافيةً أن يكون الدوبامين “هرمون السعادة”؛ إذ إنه جزيء دافعية يدفع الإنسان للبحث عن الطعام وتحقيق الأهداف، ومحذرةً من أن المقاطع القصيرة (Reels / TikTok) تغيّر طريقة استجابة الدماغ للمكافأة. كما أوضحت أن زيادة الدوبامين قد تؤدي إلى حالة من الإفراط في التحفيز؛ ما يسبب زيادة اليقظة والتوتر والأرق، مشيرةً إلى أنه لا يمكن الإدمان على الدوبامين مباشرة؛ فهو مادة طبيعية ضرورية لعمل الدماغ. وفيما يلي نص اللقاء كاملا: أوضحت استشارية الطب النفسي الحاصلة على الزمالة الكندية في الطب النفسي التواصلي والجسدي د. هيا النعيمي، أن الدوبامين هو ناقل عصبي أساسي في الدماغ ينقل الإشارات بين الخلايا العصبية، ويؤثر في الدافعية وتشكيل العادات وتنظيم الحركة، كما يلعب دورا حيويا في نظام المكافأة بالدماغ؛ إذ يحفّز الشعور بالمتعة والدافع والتركيز والذاكرة. وعلى الرغم من أنه يُعرف عادة بـ “كيمياء المتعة”، فإنه في الواقع يعمل كقوة دافعة تحفّز الإنسان على البحث عن المكافآت والتعلّم من التجارب. هرمون السعادة وأكدت أنه لا يمكن إطلاق اسم “هرمون السعادة” على الدوبامين؛ إذ توجد نواقل عصبية أخرى مثل السيروتونين، الذي يُعرف أحيانا بـ “هرمون السعادة”، ويلعب دورا رئيسا في استقرار المزاج وتحسين جودة النوم وتنظيم الشهية. وقالت: “السعادة ليست ناتجة فقط عن السيروتونين أو الدوبامين، بل هي حالة عاطفية معقدة تتأثر بمزيج من النواقل العصبية والهرمونات والعوامل النفسية”. وبيّنت أن الدماغ يعتمد على مجموعة من المواد الكيميائية المعروفة بـ “الرباعية السعيدة”، التي تشمل السيروتونين الذي ينظم المزاج ويعزز الاستقرار العاطفي، والدوبامين بوصفه كيمياء المكافأة التي تدفع الإنسان لإكمال المهام وتثير مشاعر المتعة عند تحقيق الأهداف، والأوكسيتوسين المعروف بهرمون الحب الذي يعزز الثقة والروابط الاجتماعية، إضافة إلى الإندورفينات، وهي مسكنات الألم الطبيعية التي تُفرز لتخفيف الانزعاج وتحفيز الشعور بالرفاهية. تأثيرات في السلوك وتابعت بأن تأثيرات الدوبامين في السلوك يمكن تلخيصها بثلاث فئات رئيسة: الأولى تتعلق بالدافعية والرغبة؛ إذ يُشعل الرغبة ويحفّز السعي نحو الأهداف والموارد والمعلومات، كما يساعد في تقدير الجهد عبر تقييم صعوبة المهمة مقارنة بمكافأتها؛ ما يؤثر في استعداد الإنسان لتحدي نفسه. أما الفئة الثانية فتتمثل في التعلّم وتشكيل العادات، إذ يعزز توقع المكافآت عملية التعلّم عبر ربط المكافآت غير المتوقعة بالسلوكيات والإجراءات، كما يقوّي المسارات العصبية؛ ما يسهل تكرار النشاط بصورة تلقائية. فيما ترتبط الفئة الثالثة بالحركة والتنبه؛ إذ يؤثر الدوبامين في قدرة الجسم على بدء الحركة؛ فارتفاع مستوياته يزيد النشاط، بينما يؤدي انخفاضها إلى الخمول. الجانب المظلم وأشارت إلى أن هناك جانبا مظلما لدور الدوبامين يتمثل في ارتباطه بالإدمان؛ إذ قد يُستغل هذا الناقل العصبي في تعزيز سلوكيات غير صحية، إذ تؤدي المخدرات أو الأنشطة ذات التحفيز العالي إلى ارتفاعات كبيرة في مستويات الدوبامين؛ ما يدفع الدماغ إلى تفضيل هذه المكافآت الاصطناعية على الأهداف الصحية طويلة الأمد. أثر المستويات العالية من الدوبامين وقالت إن الدوبامين ضروري للتحفيز والتركيز ومعالجة المكافآت، وبينما تعزز الارتفاعات الطبيعية منه الدافع والمزاج، فإن المستويات المرتفعة أو المرتفعة بشكل مصطنع تُعد خطيرة؛ إذ قد تؤدي إلى تغيير كيمياء الدماغ وتقليل مستوى المتعة الأساسي؛ ما ينعكس في صورة سلوكيات متهورة أو عدوانية. وتابعت أنه عندما يكون الدوبامين في توازنه الطبيعي، فإنه يدعم البقاء والتعلّم عبر التحفيز والتركيز وربط الأفعال بالنتائج الإيجابية، إضافة إلى تعزيز الشعور بالمتعة أثناء الأنشطة، إلا أن الارتفاع المستمر، خصوصا الناتج عن المواد الإدمانية أو الأنشطة شديدة التحفيز، يؤدي إلى فقدان حساسية مستقبلات المكافأة؛ ما يجعل الشخص بحاجة إلى محفزات أقوى للحصول على مستوى الرضا نفسه. كما أن زيادة الدوبامين قد تؤثر سلبا في التركيز والذاكرة واتخاذ القرار، وتضعف الانتباه، وقد تقلل السيطرة على الاندفاع؛ ما قد يؤدي إلى سلوكيات متهورة وعدوانية. أعراض نقص الدوبامين وبيّنت أن أعراض نقص الدوبامين قد تشمل فقدان الحافز والدافع، والشعور بالتعب، وصعوبة التركيز، وتقلب المزاج أو القلق، إضافة إلى فقدان الشعور بالمتعة من الأنشطة التي كانت ممتعة سابقا، والشعور بالاكتئاب واليأس، وانخفاض الرغبة الجنسية، وصعوبة النوم أو اضطراباته. وتابعت أن من الأعراض الأخرى لانخفاضه رعشة اليدين أو غيرها أثناء الراحة، وفقدان التوازن والتناسق الحركي، وتيبّس العضلات أو التشنجات (كما في مرض باركنسون)، إضافة إلى متلازمة تململ الساقين. كما قد تشمل الأعراض صعوبات في الذاكرة قصيرة المدى، وإدارة المهام اليومية وحل المشكلات اليسيرة، وضعف التركيز والاندفاع والتنظيم، وهي مظاهر قد تُلاحظ في اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط. وقد يظهر أيضا انطواء اجتماعي وانخفاض بالمشاعر وفقدان للمتعة كما في الأعراض السلبية للفصام، إضافة إلى أعراض هضمية مثل الإمساك المزمن. سبب خفي وراء بعض حالات القلق أو فقدان الدافعية ولفتت إلى أنه يمكن عدّ اضطراب الدوبامين سببا خفيا وراء بعض حالات القلق أو فقدان الدافعية؛ فعندما تختل إشارات الدوبامين قد تبدو المهام اليومية مرهقة أو شبه مستحيلة؛ لأن الدماغ يفشل في تحفيز الدافع اللازم للعمل. وترتبط مستويات الدوبامين المنخفضة بشكل كبير باللامبالاة السريرية (فقدان كامل للدافع)، والتعب المزمن، وعدم القدرة على الشعور بالمتعة من الأنشطة التي كانت تُسعد سابقا. وأضافت أن زيادة الدوبامين قد تؤدي إلى حالة من الإفراط في التحفيز؛ ما يسبب زيادة اليقظة والتوتر والأرق، كما يمكن أن تؤثر المستويات المرتفعة في الوظائف الجسدية، مسببة حركات عضلية لا إرادية وتصلبا، إضافة إلى اضطرابات في ضربات القلب أو ارتفاع ضغط الدم الشديد. أثر وسائل التواصل الاجتماعي في نظام الدوبامين وبيّنت أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤثر في نظام الدوبامين بالدماغ؛ فعندما يتعرض الدماغ بشكل متكرر لارتفاعات كبيرة في مستوى الدوبامين نتيجة أنشطة مثل التصفح المتواصل لوسائل التواصل الاجتماعي، أو الإفراط في ألعاب الفيديو، أو تناول الوجبات السريعة، فإنه يحاول حماية نفسه عبر تقليل مستقبلات الدوبامين؛ ما يرفع عتبة الشعور بالإثارة. المقاطع القصيرة (Reels / TikTok) وحذّرت من أن المقاطع القصيرة (Reels / TikTok) تغيّر طريقة استجابة الدماغ للمكافأة؛ إذ تبدأ الأنشطة اليومية مثل القراءة أو العمل أو ممارسة الرياضة في أن تبدو مملة للغاية أو غير محفّزة؛ لأنها لا تستطيع منافسة تلك الارتفاعات المصطنعة في مستوى الدوبامين. الدوبامين وإدمان الهاتف والألعاب وأوضحت أن إدمان الهاتف والألعاب يرتبط بخلل في نظام الدوبامين، إذ تستغل التطبيقات آليات المكافأة في الدماغ عبر الإفراز المتكرر للدوبامين؛ ما يؤدي إلى تقليل حساسية المستقبلات، وبالتالي حاجة الشخص لقضاء وقت أطول للحصول على مستوى المتعة نفسه. وأضافت أن العوامل الوراثية تُشكّل ما بين 40 % و60 % من قابلية الفرد للإدمان، وذلك عبر الاختلافات الوراثية في كيفية معالجة الدماغ للدوبامين؛ ما يعني أن بعض الأشخاص أكثر عرضة للسلوكيات الاندفاعية، إلا أن العوامل البيئية هي التي تحدد في النهاية ما إذا كان هذا الاستعداد سيتحول إلى إدمان. وأشارت إلى أن الإدمان لا يقتصر على الهاتف والألعاب فقط، بل يشمل جميع أنواعه. مفاهيم مغلوطة عن الدوبامين ولفتت إلى أن هناك مفاهيم مغلوطة عدة منتشرة عن الدوبامين، منها الاعتقاد بأنه “هرمون السعادة”، إذ يُعتقد أنه يُفرز فقط عند الشعور بالمتعة، بينما الحقيقة أنه جزيء دافعية يدفع الإنسان للبحث عن الطعام وتحقيق الأهداف، في حين أن الإندورفين والسيروتونين هما المسؤولان بشكل أكبر عن الشعور بالسعادة. وثانيا، أن “صيام الدوبامين” يقلل مستوياته في الدماغ، إذ يُفهم خطأ أنه يؤدي إلى استنزاف الدوبامين، بينما هو في الواقع وسيلة تهدف إلى تقليل التحفيز المفرط وإعادة ضبط حساسية المستقبلات. وثالثا، أن الدوبامين هو المسؤول الوحيد عن الإنجاز والتعلّم، إذ يُعتقد أنه مجرد مكافأة بعد الإنجاز، بينما الحقيقة أنه يلعب دورا في التعلم التنبئي؛ إذ يساعد الدماغ على الانتباه للأشياء الجديدة والتصرف وفقا لتوقعات المكافأة. إعادة ضبط الدماغ ولفتت إلى أنه يمكن “إعادة ضبط” الدماغ عبر تقليل المحفزات، وذلك بخفض التعرض للأنشطة التي ترفع مستويات الدوبامين بشكل مفرط؛ ما يمنح مستقبلات الدوبامين فرصة للعمل بكفاءة أكبر. وأضافت أن الهدف ليس السعي لرفع الدوبامين إلى مستويات عالية، بل الحفاظ على مستوى أساسي متوازن. ويمكن تحقيق ذلك عبر تقليل “تكديس الدوبامين” عبر تقليل تعدد الأنشطة المنشطة في الوقت نفسه، وكسر دورات الإدمان، وضمان الحصول على قسط كافٍ من النوم والراحة البدنية. تعديل مستوى الدوبامين بلا أدوية ولفتت إلى أنه يمكن تعديل مستويات الدوبامين في الجسم دون استخدام الأدوية؛ إذ يُعد العلاج السلوكي أحد الطرق الفعّالة لتحقيق ذلك. ويمكن تحقيق هذا التوازن عبر التغذية السليمة؛ إذ تلعب الأطعمة الغنية بالأحماض الأمينية مثل التيروزين (Tyrosine) دورا مهما في إنتاج الدوبامين، إلى جانب ممارسة النشاط البدني بانتظام مثل التمارين الهوائية التي تساهم في زيادة إفرازه وتحسين المزاج. كما يؤدي تنظيم نمط النوم دورا حيويا في تعزيز إنتاج الدوبامين، إضافة إلى إدارة التوتر عبر تقنيات الاسترخاء مثل التأمل و “اليوغا”، والانخراط في أنشطة ممتعة. ويُعد العلاج المعرفي السلوكي (CBT) وسيلة فعالة لتعديل الأفكار والسلوكيات السلبية، كما أن تحديد الأهداف يعزز الشعور بالإنجاز ويزيد الدافع؛ ما يسهم بتحسين التوازن الكيميائي في الدماغ وتعزيز الشعور بالسعادة والدافع. المصادر الغنية بالدوبامين وعن المصادر الغذائية الغنية بالدوبامين، أشارت إلى أن الأطعمة التي تعزز مستويات الدوبامين تتمثل في البروتينات الخالية من الدهون مثل الدجاج والديك الرومي واللحم البقري والبيض، وكذلك الأسماك الغنية بـ “أوميغا 3” مثل السلمون والماكريل والتونة، إضافة إلى منتجات الألبان مثل الحليب والزبادي والأجبان الصلبة مثل البارميزان والشيدر. كما تشمل المكسرات والبذور مثل اللوز والجوز وبذور القرع، وهي أيضا مصادر جيدة للمغنيسيوم، إلى جانب البقوليات وفول الصويا مثل الفاصوليا السوداء والعدس والإدامامي والتوفو، وكذلك الفواكه والخضروات مثل الأفوكادو والموز والتفاح والخضراوات الورقية. وأخيرا، الشوكولاتة الداكنة (بحد أدنى 70 % كاكاو) والشاي الأخضر. إدمان الدوبامين واختتمت حديثها مفندة مصطلح “إدمان الدوبامين”، وقالت إنه يُفهم بشكل خاطئ على أنه إدمان للعنصر الكيميائي نفسه، بينما الحقيقة العلمية أنه لا يمكن الإدمان على الدوبامين مباشرة؛ فهو مادة طبيعية ضرورية لعمل الدماغ. وأوضحت أن الإدمان يحدث عندما يتم تحفيز نظام المكافأة في الدماغ بشكل مفرط عبر سلوكيات معينة مثل الألعاب الرقمية أو وسائل التواصل الاجتماعي؛ ما يؤدي إلى السعي القهري نحو هذه الأنشطة.
Go to News Site