صحيفة البلاد البحرينية
رؤساء أندية لـ “دالبلا”: “نحن ندير كيانات احترافية بعقليات متطوعة.. وهذا هو التناقض الصارخ” غياب “دكة البدلاء” ينذر بكارثة إدارية.. والكفاءات العلمية تفر من “جحيم” النقد والمحاسبة العكبري: كفـــاءات أفضـــل مــــن الســابــــــــق.. لـكـــــــــن بــــــــــــلا روح ولا التــــزام شرف: الانتماء وحده لم يعد كافيا.. والإدارة الكفؤة تصنع الفارق حتى دون مال سعيد: الأزمـة ليســت فــي المتطوعين.. المشكلـة مالية بامتياز ولا نادي ينجو بميزانية عاجزة بوخمسين: الكفــاءة تبحــث عـن بيئة تحترمها.. ومواقع التـواصـــل باتــت سـلاحا يطرد المتطوعين العصفور: بــلا تجـانـس وبــــلا إمكانيـــــات.. حتـــــى الكـفـاءة تتحـول إلــى فشل داخل الأندية المختار: “إدارة متطــوعـــــــة لكيان محتـرف.. تناقـض يهدد مستقبـل الحركـة الرياضية الوطنية جلس يقلب الأوراق ويتفحص الهاتف، هذه عادته كل مساء وفي كل عطلة نهاية الأسبوع في مكتبه بمقر النادي، يُقلّب ملفات لا تنتهي، ويرد على مكالمات لا تتوقف، شعلة نشاط لا تتوقف من دون مقابل أو مكافأة، وفي الغالب من دون حتى كلمة شكر تصله من الجهة التي يخدمها بلا مقابل. هذه ليست قصة، هذا استعراض حال ولسان حال أكثر العاملين بالعمل التطوعي في النوادي الرياضية، حين كان الانتماء للنادي كافيا وحده ليُشعل جذوة العطاء في النفوس، وكانت الملاعب تعجّ بالمتطوعين الذين يُقدّمون وقتهم وجهدهم قربانا لنادٍ يمثّل حيّهم وهويتهم وانتماءهم. أما اليوم، فالمقاعد تتسع والأسماء تتراجع، وصفحات الترشح تُقفل في مواعيدها دون أن يكتملَ النصاب، وبعض مجالس الإدارات تجد نفسها في حالة بحث مُضنٍ عمّن يقبل حمل هذه المسؤولية الثقيلة بلا ثمن. لكن ماذا يجري في واقع ذاكرة الزمان والمكان التي نعيشها اليوم؟ ما الذي تغيّر؟ ومن يتحمّل المسؤولية؟ هل أصبح العمل التطوعي نافذة للوجاهة الاجتماعية كما كان في السابق؟ وأين ذهبت الحماسة التي كانت تُزاحم على مقاعد مجالس الإدارات؟ ومن يملأ الفراغ حين تُدير الكفاءات ظهرها وتختار البُعد؟ هذا التحقيق يرصد ظاهرة العزوف عن العمل التطوعي في الأندية الرياضية الوطنية بمملكة البحرين من الداخل، ويستنطق شهوداً عاشوا التجربة وعايشوا التحولات، من رؤساء أندية وأعضاء حاليين وسابقين في مجالس الإدارات، إلى خبراء ومحللين رياضيين، في محاولة لفهم هذه الأزمة الصامتة التي تأكل في صمت جسد الحركة الرياضية الوطنية، في الوقت الذي تتظافر فيه جهود الجهات الرسمية لتحقيق مزيد من التطوير والاحتراف. قراءة في الواقع: الكفاءات موجودة.. لكن الالتزام يتآكل لا يُنكر رئيس نادي مدينة عيسى أحمد جاسم العكبري، أن ثمة تحولاً إيجابياً طرأ على نوعية من يترشحون لعضوية مجالس الإدارات مقارنة بالسنوات الماضية، إذ يرى أن “الكفاءات والتخصصات أفضل من السابق”، وأن الأعضاء الحاليين يمتلكون مؤهلات علمية وخبرات مهنية أرقى في مجالات كالإعلام والتسويق والقانون والإدارة. غير أن هذه الكفاءة المتطورة تصطدم بعائق جوهري يسمّيه العكبري بصراحة: “أقل حماساً عن الفترة السابقة”. فالروح التي كانت تُسكن مقر النادي قد خبت جمرتها، واستُبدلت بحضور متقطع وعطاء مشروط بالظروف والتزامات الحياة اليومية. ويُضيف العكبري أن التخصصات المتنوعة المتوفرة اليوم تظل حبراً على ورق ما لم تتوفر بيئة تنظيمية تُتيح توظيفها بشكل فعّال: “تقدر تلقى أعضاء مجلس إدارة كثير من العناصر في نفس عملهم، لكن ما تقدر تستثمر هذه التخصصات بشكل عام”. هذه الصورة يُعززها رئيس مجلس إدارة نادي الاتحاد الرياضي أنور شرف، حين يُشخّص المشهد بدقة أكبر: “يشهد العمل التطوعي في مجالس إدارات الأندية والأجهزة الرياضية المختلفة داخل أروقة النوادي تراجعاً ملحوظاً مقارنة بالسنوات الماضية، سواء من حيث عدد الراغبين في الترشح أو مستوى تنوع الكفاءات”. ففي الماضي، كان الانتماء المجتمعي والدافع الوطني وحدهما كافيَين ليدفعا الشباب نحو التطوع. أما اليوم، فقد بات العمل الإداري “أكثر تعقيداً وتخصصاً”، في ظل تضاعف الالتزامات المهنية والأسرية، وارتفاع تكاليف المعيشة التي تجعل توفير وقت إضافي مجانياً رفاهية لا يستطيعها الجميع. والمشكلة لا تتوقف عند الإحجام عن الترشح، بل تمتد إلى ما هو أخطر وأعمق: تمركز الأعباء على كاهل أفراد بعينهم داخل المجلس الواحد. يصف العكبري هذه الظاهرة بمرارة واضحة: “تتركز الأعمال أكثر شيء على أشخاص محددين دائما في مجالس الإدارة”، وهو ما يُعمّق الإرهاق ويُسرّع الانسحاب، فيجد النادي نفسه في حلقة مفرغة: قلة يعملون حتى الإرهاق فينسحبون، ثم يزداد العبء على من تبقى. وعلى خط مواز يؤكد المحلل الرياضية محمود المختار هذه الصورة من زاوية مغايرة: “القليل منهم من يحضر إلى النادي، ربما شخص أو اثنان يديران النادي وكل الأعمال تُدار من قبلهم، والأكثرية غائبون مما يؤثر على جودة العمل وتطويره وحتى الاستدامة”. جدار التحديات: ما الذي يُقعد الكفاءات في البيت؟ من خلال التقصي والبحث في سياق فرضية التحقيق التي تتحدث “ظاهرة عزوف التطوع في إدارات النوادي الرياضية”، كان واضحًا أن ثمة رأس جبل جليد يخرج على شكل محدد جديد شاخص، ولذلك غصنا أكثر في التقصي في سبيل إثباتها أونفيها، وبعد الإدلاءات الأولى مع الذين التقيناهم بدأ التشخيص الأولي وهو يشير إلى أن أزمة العزوف ليست وليدة عامل واحد، بل هي تراكم محكم من التحديات المتشابكة، يمكن استجلاؤها في عدة محاور متداخلة ومتعاضدة: أولاً: ثقل المسؤوليات في مقابل خفة الصلاحيات بات العمل في مجالس إدارات الأندية محاطاً بالتزامات إدارية ورقابية ومالية متزايدة، تتجاوز في أحيان كثيرة قدرة المتطوع على الاستيعاب والتحمّل. ووفقًا لرصد رئيس نادي مدينة عيسى العكبري فإن هذه المعادلة المختلة بوضوح: “المسؤوليات كثيرة زادت مقابل العمل التطوعي، ما في حوافز لا من قبل النادي ولا من قبل الجهة التي أنت تحت منظومتها”. ويُضيف بألم: “تقعد أربع سنوات في دورة إدارية ما تحصل خطاب شكر من الجهة التي أنت عملت وخدمت على شانها”. وفي السياق ذاته، يُسجّل رئيس نادي الاتحاد شرف أن “تضخم حجم المسؤوليات الإدارية والتنظيمية مقابل طبيعة العمل التطوعي” يُشكّل العقبة الأولى أمام استمرارية المتطوعين. فضلاً عن ذلك، تُضيف الحوكمة الحديثة بمعاييرها الصارمة طبقة جديدة من الأعباء. على هذا المقلب يُفسّر المختار ذلك قائلاً: “الحوكمة في الوقت الحاضر تتطلبها الإدارة الحديثة للحفاظ على الشفافية والأنظمة واللوائح التنظيمية، بالإضافة إلى الالتزامات المالية مع الوزارات والهيئات الحكومية والدولية والموظفين والمدربين واللاعبين”، وهنا تبرز “معايير ومؤهلات المتطوع وما يمتلكه من قدرات علمية وعملية للاستفادة منه”. ثانياً: الضائقة المالية وإشكالية الميزانيات لنشخص الأمور أكثر وأكثر كان لابد لنا أن نلتقي عضو مجلس إدارة انادي الشباب السابق حسن سعيد، هذا الإداري المهني الذي تعد عروق خبرته ضاربة بجذورها في أعماق العمل التطوعي. يقول السعيد أن الأزمة في جوهرها مالية بامتياز: “اليوم ما تقدر تمشي شغل الأندية بالميزانيات الموجودة، يستحيل”. ويستند إلى تجربته الميدانية ليُقارن بين حقبتين متباينتين: “أيام نادي جدحفص لم تكن هنالك رواتب لاعبين بالطريقة المعمول بها حاليًا، أما الآن أمامك أجور اللاعبين وأجور الأجهزة الفنية والإدارية، هذه كلها تحديات موجودة اليوم”. ويُضيف بصراحة لافتة تعكس عمق الأزمة: “لا يوجد نادٍ منافس في البحرين لديه فائض في الميزانية، “لازم عنده عجز”. هذه الحقيقة الصارخة تُفسّر جزءاً كبيراً من عزوف الكفاءات؛ إذ لا يُريد المحترف الناجح أن يُعرّض سمعته وعلاقاته لمواجهة ديون متراكمة وعجز مالي مزمن يعجز عن معالجته بأدوات التطوع. ويُؤكد عضو مجلس إدارة نادي الاتفاق جاسم العصفور هذه المعادلة بوضوح: “العنصر المالي يمثّل العمود الفقري لأي عمل داخل النادي، فبينما يظل عضو مجلس الإدارة متطوعاً، فإن بقية الأدوار الإدارية والفنية يصعب أن تستمر دون مقابل”. فالمشكلة لا تتوقف عند راتب المتطوع نفسه، بل تمتد لتشمل كامل المنظومة التشغيلية للنادي التي تستحيل بلا موارد مالية حقيقية. ثالثاً: البيئة الطاردة والمناخ المحبط تغيير زوايا الرؤية جدًا مهم إذا كنت تريد أن تعرف وتشخص مسألة من جميع إتجاهاتها، وهذا فعلا ما كشف عنه عضو مجلس إدارة النادي الأهلي الأسبق ومن أشهر الإداريين المتعاقبين على القلعة الصفراء عبدالعزيز بوخمسين، عن جانب خفي لكنه مؤثر بعمق في تشكيل صورة العمل التطوعي: مواقع التواصل الاجتماعي باتت سلاحاً يُشهر في وجه المتطوع فور تقلّده المنصب. يقول: “وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت بيئة ضغط غير صحية، حيث يسهل النقد غير المهني والهجوم الشخصي، أحياناً من أشخاص لا يملكون معرفة حقيقية بما يحدث داخل النادي. هذا المناخ الطارد يجعل الكثير من الكفاءات تُفضّل الابتعاد”. ولعل هذا التحدي هو الأكثر خصوصية في عصرنا الرقمي، إذ لم يكن متطوع الأمس يواجه تدقيقاً علنياً فورياً في كل قرار يتخذه. ويُضيف بوخمسين بُعداً آخر لا يقل أهمية، يتعلق بآليات الانتخابات ذاتها، إذ يرى أن “الجمعيات العمومية في كثير من الأحيان لا تعكس الكفاءة بقدر ما تعكس العلاقات الشخصية والتكتلات”. وهو ما يخلق نمطين متناقضين داخل المجلس الواحد: شخص يعمل يومياً في الظل ويتحمّل أعباء حقيقية، وآخر يكتفي بحضور الاجتماعات والمناسبات وينال دعماً انتخابياً أوسع. هذا التناقض، كما يؤكد بوخمسين، يُولّد “إحباطاً للكفاءات الحقيقية” ويدفعها تدريجياً نحو الانسحاب. رابعاً: ضغط الحياة الحديثة ومعادلة الوقت بعد كل ما أثير من إداريين وأعضاء مجلس إدارة من مبررات مختلفة أدت إلى عزوف عدد كبير من التطوعيين في النوادي الرياضية، نجد أن ثمة منحنى له وجاهة في الطرح، وهذا المحدد يعنى بالسيسلوجيا وعلم النفس، ولذلك أخذنا الحديث إلى المحلل محمود المختار الذي قدم لنا قراءة متأنية عن هذا الواقع. يقول المختار: نعم ثمة عزوف عن الواقع الرياضي بشكل عام “والرواد في هذا الجانب قلوا على جميع المجالات وليس فقط الأندية الرياضية، بسبب المتغيرات في الزمن الحالي والظروف والمسؤوليات الحياتية”. فالمتطوع اليوم يُحاصره زحام الحياة من كل جانب: التزامات أسرية وضغوط مهنية وارتفاع تكاليف المعيشة، جميعها تتنافس على ساعات يومه المحدودة، وتجعل تخصيص وقت منتظم للعمل التطوعي رفاهية لا يملكها الكثيرون. ويدخل المختار في قراءته بشكل عميق وأكثر واقعية ويضع يده على الجرح: “إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة العمل التطوعي الذي يتطلب الحضور الشخصي لموقع التطوع ومدة التنقل من وإلى، فهل يملك الموظف ذو الالتزامات الأسرية الوقت الكافي لذلك؟”. خامساً: غياب التخطيط والتنظيم الداخلي وفي هذه الشأنية نظر عضو مجلس إدارة نادي الاتفاق العصفور، إذ حدد إشكالية جوهرية تتمثل في غياب التجانس والانسجام بين أفراد الفريق الإداري ذاته: “التجانس والتفاهم داخل الإدارة يُعدّان عنصرين أساسيين للنجاح، إذ إن عدم الانسجام يؤدي إلى التصادم والفشل داخل بيئة العمل”. ويرى أن من يدخل مجلس الإدارة دون معرفة مسبقة بطبيعة هذه البيئة يُصاب بصدمة تُعجّل بانسحابه. بينما يُطالب المختار بالذهاب أبعد من ذلك، عبر إعادة النظر في “النظام الأساسي للأندية الذي تم وضعه قبل حوالي 25 سنة أو أكثر”، مؤكداً أنه لم يعد يُواكب متطلبات عصر الاحتراف الرياضي وتحوّلاته المتسارعة. تداعيات العزوف: حين تتعثر الأندية في الظلام لا تبقى ظاهرة العزوف حبيسة مجالس الإدارات؛ فتداعياتها تمتد كموجات متتالية لتُلقي بظلالها الثقيلة على مسيرة الأندية بأسرها. يُلخّص رئيس نادي الاتحاد الرياضي شرف هذه التداعيات في سلسلة متصلة الحلقات: “تقليص الخيارات عند تشكيل مجالس الإدارات، وتحميل عدد محدود من الأفراد مسؤوليات متراكمة، وصعوبة بناء فرق عمل متكاملة ذات تخصصات متنوعة، وضعف الاستمرارية المؤسسية نتيجة تغيّر الإدارات أو غياب الصف الثاني”. ويُضيف أن “النادي الذي يفتقد إلى الاستقرار الإداري والكفاءات المتخصصة يجد صعوبة في بناء مشاريع مستدامة أو تحقيق تطور متدرج على المدى البعيد”. أما على صعيد التخطيط الاستراتيجي، فإن الإدارات المنشغلة بإطفاء حرائق يومية لا تجد وقتاً ولا طاقة لرسم خرائط المستقبل. ويرجع العكبري عن هذا الخلل البنيوي: بـ”غياب التخطيط الاستراتيجي على الكفاءات، ما في خطط قصيرة أو طويلة المدى، دائماً تجد القرارات متسرعة وحلولاً سريعة بدلاً من المسير على أهداف ورؤية”. وفي غياب الخطط تسود العشوائية، وتصبح القرارات ردود أفعال لا خيارات مدروسة. وفي قراءة أكثر نقداً وعمقاً، يطرح المختار تناقضاً بنيوياً صارخاً يُعاني منه النموذج البحريني القائم: “الواقع الحالي إدارة متطوعة لكيان رياضي محترف، متناقض مع نفسه ويحتاج إلى إعادة نظر من الهيئة العامة للرياضة ليُواكب المتغيرات في عالم الرياضة، لأن معظم دول العالم منذ سنين طويلة تحوّلت إلى الاحتراف الرياضي، مما يعني لإدارة كيان رياضي محترف تحتاج إلى إداريين محترفين وليس متطوعين”. هذا التناقض يُشبه محاولة قيادة سيارة حديثة بمحرك قديم، وهو ما يُفسّر كثيراً من حالات الإخفاق الإداري في الأندية. ولعل أخطر ما أشار إليه بوخمسين هو نشوء “فجوة قيادية” آخذة في الاتساع داخل الأندية: “الاعتماد على نفس الأسماء أو وصول أشخاص غير مؤهلين يخلق فجوة بين متطلبات المرحلة الحديثة وإمكانيات القيادة الحالية”، وحين تبتعد الكفاءات، “يتم ملء الفراغ بأشخاص قد لا يملكون الخبرة الكافية، وإنما يعتمدون على العلاقات والدعم الانتخابي”، وعندها “تبدأ القرارات غير المدروسة وتطغى المصالح الشخصية على مصلحة الكيان. والنتيجة تكون تراجعاً إدارياً ينعكس مباشرة على الأداء الفني”. ويُشير إلى أن هذا التراجع لا يظهر دائماً بشكل فوري: “قد يحقق الفريق نتائج جيدة مؤقتاً رغم وجود خلل إداري، لكن على المدى الطويل هذا الخلل يظهر بشكل واضح على الاستقرار والإنجازات”. شهادة من الداخل: حين تصطدم الأفكار بجدار النظام تُضيء تجارب من عاشوا العمل التطوعي من الداخل جانباً يكاد يكون مسكوتاً عنه: حماس المتطوع الكفء وحده لا يكفي إذا كانت المنظومة نفسها تُقيّده وتُجهض أفكاره. يروي بوخمسين أنه طرح “فكرة الاستعانة بخبرات خارج مجلس الإدارة من متخصصين في الاستثمار من أبناء النادي، بهدف ضمان قرارات أكثر احترافية واستدامة، لكن لم يتم تبني هذا التوجه”، وهو ما يعكس، بحسبه، “مقاومة بعض الأفكار التطويرية داخل المنظومة”. فالإصلاح لا يصطدم فقط بشحّ الموارد، بل يصطدم أحياناً بثقافة راسخة تخشى التغيير وتُقاوم الجديد. ومن الشهادات اللافتة تجربة العصفور الذي يُسجّل بمرارة ظاهرة تُفرز نوعاً مُختلّاً من القيادة: “بعض العناصر تدخل مجالس الإدارات دون امتلاك خطط عمل واضحة، بل بدوافع الظهور أو تحقيق مكاسب شخصية، ويقتصر دورها على الحضور الشكلي دون إسهام حقيقي، رغم سعيها للوصول إلى المناصب وإقصاء الآخرين”. هذا النوع من العضوية الشكلية لا يُسهم في تطوير النادي فحسب، بل يُثبّط الكفاءات الحقيقية ويدفعها نحو التخلي. أما المختار فيطرح نقداً لاذعاً لمستوى بعض المناصب القيادية في الأندية، متسائلاً: “هل يعقل أن الأمين المالي لا يُفرّق بين الخطة المالية والميزانية ولا يعرف أبجديات العمل المحاسبي؟ أو أن رئيس النادي يستمر لأكثر من 20 سنة في الرئاسة بدون أي إنجاز أو تطوير للكيان الرياضي؟”. ويُضيف بسخرية مُرّة: “اعطني نادياً واحداً تحوّل عمله للعمل الرقمي أو عنده صفحة إلكترونية على الإنترنت تُحدَّث باستمرار”. وفي ختام دلوه، يُطلق سعيد رسالة حادة اللهجة لمن يُكثرون من النقد من خارج الملعب دون أن يمتلكوا رصيداً من التجربة: “الكلام من الخارج غير العمل من الداخل. لما يدخل فيهم ناس يُثرثرون برّا ودخلوا مجالس إدارات الأندية ستة شهور ما قعدوا ما قدروا يُقاوموا. هذه رسالة لازم توصل إلى هؤلاء”. فثمة هوّة واسعة بين التقييم من المدرجات والمعاناة الحقيقية داخل مكاتب الإدارة. مختبر الحلول: من أين يبدأ الإصلاح؟ يتقاطع الجميع حول ضرورة التغيير، لكنهم يتباينون في نقطة البداية وأولويات الحل، ما يعكس تعقيد الأزمة وتشعّب جذورها: على صعيد الحوافز والتقدير: يُفرّق المتحدثون بدقة بين الحوافز المعنوية والمادية، ولكلٍّ دوره في معادلة الاستمرارية. يرى العكبري أن الحوافز المعنوية كالتكريم الإعلامي والشهادات والدعوة للمناسبات الرياضية الكبرى وزيارات القيادات الرياضية، “يمكن أن تُشعل الحماس من جديد” لأنها تُشعر المتطوع بأن جهده مرئي ومُقدَّر. في المقابل، يُقرّ سعيد بأحقية أعضاء المجالس في حوافز مادية بصراحة تامة: “هم يبذلون جهداً ليس بالهين، فلماذا لا؟”، مُشيراً إلى أنه في تجربته الشخصية لم يكن الحافز المادي هو المحرك، لكنه يُؤيد وجوده لمن يأتي بعده. ويُشدّد بوخمسين على أن الحوافز “يجب أن تكون منظمة ومرتبطة بالأداء والإنجاز وليس مجرد امتيازات شكلية”، مع ضرورة وجود رقابة فعالة تضمن عدم إساءة استخدامها. وعلى صعيد الكفاءات واشتراطات الترشح: يُطالب المختار بوضع “شروط ومعايير للترشح إلى مجلس الإدارة وخصوصاً المناصب الرئيسية”. ويُضيف شرف ضرورة “استقطاب الكفاءات المتخصصة في مجالات الإدارة والمالية والتسويق والاستثمار الرياضي”، مع “تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص لدعم الأندية ومشاريعها”. فيما يُنبّه العكبري إلى ضرورة استقطاب تخصصات متنوعة كالإعلاميين والقانونيين والمسوّقين، لأن “المهام صارت محدودة في استقطاب الرياضيين فقط ولا تستقطب الطبيب والمهندس والدكتور الذين لهم تأثير في العمل المؤسسي”. ومن جهة التدريب وبناء القيادات: يتفق المختار وشرف على ضرورة إطلاق “برامج لتأهيل وتدريب القيادات الشابة للعمل الإداري الرياضي”. كما يدعو المختار إلى “عمل ورش عمل بشكل مستمر في الأندية والمدارس والجامعات للتواصل واكتشاف الراغبين في التطوع لصقلهم وتدريبهم”، مع إنشاء “قاعدة بيانات لكل نادٍ لمعرفة المهارات والمواهب التي يمتلكها الراغبون في التطوع للاستفادة منها من الطرفين”. ويُؤكد أن “البرامج والدورات التدريبية موجودة في الأكاديمية الأولمبية البحرينية والجامعات المعترف بها دولياً”، غير أن المشكلة تكمن في عدم ربطها باشتراطات الترشح الفعلية. ومن ناحية الهيكل التنظيمي والدمج: يُطرح اقتراح جذري من سعيد يقوم على “دمج الأندية في البحرين وفق الجغرافيا إلى 14 نادياً فقط، وجمع الميزانيات وتوزيعها بالعدل والمساواة وعلى حسب الألعاب التي يشارك فيها كل نادٍ”. ويرى أن هذا الدمج سيُتيح تأسيس أندية نموذجية بملاعب وبنية تحتية أفضل، وسيُوفّر كتلة مالية حقيقية تُتيح العمل المؤسسي المستدام. رغم وجاهة هذا الطرح، إلا أنه يستوجب نقاشاً مجتمعياً واسعاً نظراً لتداعياته العميقة على الهويات المحلية والانتماءات الجغرافية للأندية ذات العراقة. وفيما يخص الحوكمة والشفافية: يُشدّد بوخمسين على أن الحل يبدأ من إصلاح المنظومة ذاتها لا من ترميم ما هو قائم، عبر “تطوير آليات الانتخابات لضمان وصول الكفاءات، ووضع أنظمة واضحة وشفافة لاتخاذ القرار، وتقليل البيروقراطية وتمكين العمل الاحترافي، وإشراك الخبرات المتخصصة من خارج المجلس في الملفات الحساسة”. فضلاً عن ضرورة “حماية أعضاء المجالس من الهجوم غير المهني عبر تنظيم الإعلام الرياضي” وتحديد مسؤولياته ومعاييره. الدعم المالي أم الكفاءة الإدارية؟ جدل لا يحسمه إجابة واحدة تُطرح في هذا الملف دائماً مسألة الأولوية التي تبدو سؤالاً فلسفياً قبل أن تكون تساؤلاً عملياً: هل يبدأ الإصلاح بضخ الأموال أم باستقطاب الكفاءات؟ يُحسم شرف هذا الجدل بتفضيل واضح ومُسبَّب: “الكفاءات الإدارية تأتي في المرتبة الأولى، لأن الإدارة القادرة والواعية تستطيع تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة وجذب الدعم وصناعة الفارق حتى في ظل محدودية الإمكانات. في حين أن الدعم المالي، رغم أهميته، قد لا يحقق الأثر المطلوب دون وجود إدارة كفؤة قادرة على توظيفه”. في المقابل، يُصرّ سعيد على أن “الجانب المادي هو الجاذب والطارد وليس أمر آخر”، معتبراً أن الأزمة في جوهرها مالية بامتياز، وأن إصلاح الهيكل المالي للأندية هو المدخل الحقيقي لأي إصلاح آخر. بينما يتبنى بوخمسين رؤية تكاملية تُشبّه الحوافز بـ”وقود السيارة، بدونها يصعب الاستمرار”، مُؤكداً في الوقت ذاته أن الوقود وحده لا يُسيّر سيارة بلا محرك كفء. ولعل الحقيقة تكمن في المنطقة الرمادية بين الرأيين: فالمال بلا إدارة رشيدة يُهدر ويتبدد في قرارات ارتجالية، والإدارة الرشيدة بلا موارد كافية تتعثر وتفقد قدرتها على الإنجاز. وهو ما يدفع نحو معالجة متوازية لشقّي المعادلة في آنٍ واحد، لا تفضيل أحدهما على الآخر. رهانات المستقبل وأسئلة لا تحتمل التأجيل تكشف هذه الشهادات المتشعبة المتعددة الأصوات عن حقيقة واحدة موجعة: الكثير من الأندية الرياضية البحرينية تمرّ بمرحلة انكشاف هشّ في بنيتها الإدارية التطوعية، وما تُعانيه من عزوف وتراجع ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو تراكم لإشكاليات هيكلية وثقافية ومالية تشكّلت على مدى سنوات. والرهانات على المستقبل تتوقف على القدرة في التحوّل من منطق إطفاء الحرائق إلى منطق البناء الاستراتيجي، ومن ردود الأفعال إلى رسم الخرائط. وقد أشار شرف إلى ما أحدثته الهيئة العامة للرياضة من “نقلة نوعية وتطور ملحوظ” في تعزيز البنية التنظيمية والمؤسسية للأندية، مُؤكداً أن هذه الطفرة تُمثّل منطلقاً واعداً لمرحلة أكثر احترافية، “مع استمرار الحاجة إلى تطوير منظومة العمل الإداري التطوعي بما يُواكب هذا النمو المتسارع”. وحين تتقاطع كل هذه الشهادات، تكشف أن ظاهرة العزوف عن العمل التطوعي ليست قدراً محتوماً، بل هي تحدٍّ يمكن مواجهته متى تظافرت الجهود والعزائم الحقيقية. فالتاريخ يشهد أن الأندية البحرينية قامت على أكتاف رجال آثروا خدمة مجتمعهم على راحتهم الشخصية، وقدّموا من وقتهم وجهدهم دون انتظار مقابل، وتركوا بصمات لا تُمحى في ذاكرة الحركة الرياضية الوطنية. وبينما تتواصل هذه المسيرة على يد من لا يزالون يحملون شعلة العطاء في صمت وتواضع، يبقى الرهان الأكبر على جيل جديد واعٍ يُدرك أن خدمة النادي خدمة للوطن، وأن ما بُني بالتطوع والإخلاص لا يهدمه إلا التخلي والصمت.
Go to News Site