صحيفة البلاد البحرينية
الادخار العائلي ليس مجرد أرقام في البنوك بل خط الدفاع الأول للأسر في مواجهة الطوارئ والأزمات الاقتصادية ارتفاع الودائع لا يعني بالضرورة أن كل الأسر تمتلك فائضا ادخاريا حقيقيا أو شعورا بالأمان المالي القروض الشخصية التي تجاوزت 6 مليارات دينار أصبحت تضغط مباشرة على قدرة الأسر على بناء زالتحويشةس الاقتصاد قد ينمو رسميا.. لكن السؤال الأهم: هل يخلق وظائف تمنح الأسرة قدرة حقيقية على الادخار؟ الإنفاق الرقمي السريع غيّر سلوك الاستهلاك وجعل تسرب الأموال من الأسرة يحدث دون شعور مباشر الجمعيات ما زالت تؤدي دورا اجتماعيا واقتصاديا مهما في حماية الأسر من الاستهلاك المفرط حسابات الجوائز تعكس منافسة البنوك ليس مع بنوك أخرى فقط بل مع ثقافة الاستهلاك والسفر والتسوق قوة الادخار الوطني تبدأ من قدرة الأسرة على تكوين هامش أمان مالي يكفيها عند الأزمات ينظر إلى المدخرات العائلية في البحرين لا باعتبارها مجرد أرصدة في البنوك، بل بوصفها جزءًا من الادخار الوطني. فالادخار الوطني يعكس قدرة الاقتصاد على تكوين فوائض يمكن توجيهها للاستثمار وتمويل النمو، أما المدخرات العائلية فتعكس قدرة الأسرة على بناء احتياط مالي يحميها من الطوارئ ويمنحها استقلالًا اقتصاديًا. لذلك لا يكفي القول إن ودائع البنوك مرتفعة. السؤال الأهم هو: هل تمتلك الأسرة البحرينية “فائضًا ادخاريًا صافيًا” بعد الرواتب والقروض والفواتير ونمط الحياة الحديث؟ هذه الزاوية تجعل الادخار قضية اقتصادية واجتماعية في وقت واحد؛ لأنها تربط بين جودة النمو، ومستويات الدخل، وسلوك الإنفاق، والاستقرار الأسري. ماذا تقول الأرقام؟ تظهر أرقام 2025 أن الاقتصاد البحريني يمتلك قاعدة كلية مهمة؛ فقد نما الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 3.5 %، وبلغت مساهمة الأنشطة غير النفطية 85.8 % من الناتج المحلي الإجمالي، وسجل الحساب الجاري فائضا نسبته 5.8 % من الناتج المحلي الاسمي بحسب تقرير البحرين الاقتصادي 2025 الصادر عن وزارة المالية والاقتصاد الوطني. هذه المؤشرات تقول إن الاقتصاد قادر على توليد نشاط وفوائض، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال الادخار العائلي. فالاقتصاد قد ينمو بقطاعات خدمية ومالية وسياحية، لكن الأثر الاجتماعي الأهم هو: هل يخلق هذا النمو وظائف مجزية ودخولا قادرة على تكوين فائض داخل الأسرة؟ هنا يصبح الادخار العائلي اختبارا لجودة النمو الاقتصادي، لا لحجمه فقط. تكشف الودائع المصرفية عن جانب مهم من الصورة، لكنها لا تكشف عن الصورة كاملة، فقد بلغ إجمالي ودائع بنوك التجزئة العائدة للقطاع الخاص والقطاع الأهلي في البحرين نحو 13.9 مليار دينار في 2025، مقابل 13.4 مليار دينار في 2024. لكن الاقتراب من واقع المدخرات العائلية يتطلب النظر إلى الحسابات الادخارية لا الودائع الكلية. في أحد البنوك التجارية المحلية، ارتفعت حسابات الادخار من 674.7 مليون دينار في 2024 إلى 801 مليون دينار في 2025، بينما بلغت الحسابات الجارية 562.6 مليون دينار والودائع لأجل 1.392 مليار دينار. هذه الأرقام تعني أن هناك قاعدة ادخارية قائمة، لكنها لا تثبت أن الادخار واسع الانتشار بين كل الأسر؛ فقد يكون جزء من هذه الحسابات متركزا لدى شرائح أعلى دخلا. اجتماعيا، هذا يفسر المفارقة بين نمو حسابات الادخار وشعور بعض الأسر بضعف القدرة على “التحويشة”؛ فالادخار موجود، لكنه قد لا يكون موزعا بما يكفي ليمنح أمانا واسعا. حسابات الجوائز تقدر بنحو 3 مليارات دينار في البنوك الإسلامية تظهر المدخرات العائلية بصيغة مختلفة؛ ففي أحد البنوك الإسلامية، بلغت حسابات شبه حقوق الملكية، وهي أقرب إلى حسابات الاستثمار والادخار الإسلامية، نحو 825.3 مليون دينار في 2025، منها نحو 752.1 مليون دينار للأفراد والمؤسسات غير المالية، وتشمل منتجات الجوائز وحسابات الادخار الإسلامية. دلالة ذلك أن الادخار العائلي في البحرين لا يظهر دائما تحت عنوان “ودائع ادخار”، بل يتوزع بين حسابات ادخار تقليدية، وحسابات استثمار إسلامية، وحسابات جوائز. ومن خلال البيانات المتاحة للبنوك المحلية، يمكن تقدير حجم الحسابات الادخارية المرتبطة بالأفراد وبرامج الجوائز بحذر بين 2 و3 مليارات دينار، مع تأكيد أن هذا تقدير تحليلي لا رقم رسمي موحد. لكن قراءة المدخرات العائلية من جهة الأصول وحدها تبقى ناقصة دون قراءة جانب الالتزامات؛ فقد أظهرت نشرة مصرف البحرين المركزي في 2025 أن القروض الشخصية بلغت 6.2 مليار دينار في 2025، مقارنة بـ 6 مليار دينار في 2024، بنمو يقارب 3.3 %، كما بلغت القروض الشخصية نحو 34.5 % من الناتج المحلي. هذا الرقم هو المفتاح لفهم الضغط على الادخار العائلي؛ فكل زيادة في الأقساط تعني انخفاض الهامش القابل للادخار، حتى لو ظل الراتب ثابتا أو ارتفع قليلا. اجتماعيا، يصبح الراتب أقل قدرة على صناعة الأمان لأنه يُستخدم لسداد قرارات مالية سابقة قبل أن يتحول إلى فائض للمستقبل. الهامش الادخاري الصافي هذا يقود إلى مفهوم “الهامش الادخاري الصافي”، وهو المؤشر الحقيقي الذي لا يظهر مباشرة في البيانات المصرفية. الأسرة قد تملك بيتا ممولا برهن، وسيارة ممولة بقسط، ورصيدا في حساب جوائز، لكنها قد لا تملك سيولة تكفي ثلاثة أو ستة أشهر من المصروفات الأساسية. لذلك لا يكفي قياس الثروة العائلية بالأصول، بل يجب قياس قدرة الأسرة على مواجهة صدمة قصيرة الأجل دون الاقتراض. اقتصاديا، هذا الهامش هو خط الدفاع الأول ضد التعثر. اجتماعيا، هو ما يحول دون انتقال القلق المالي إلى توتر أسري ونفسي. تغير نمط الإنفاق زاد من صعوبة تكوين هذا الهامش. فقد بلغت معاملات نقط البيع والتجارة الإلكترونية في البحرين 5.15 مليار دينار في 2025، بنمو 10.4 %. هذا الرقم ليس مؤشرا تقنيا فقط، بل دليل على أن الإنفاق أصبح أكثر سرعة وسهولة وأقل إحساسا بخروج المال. في السابق كان الدفع النقدي يخلق لحظة تفكير، أما اليوم فالشراء يتم بالهاتف أو البطاقة أو التطبيق. اقتصاديا، هذا يدعم التجارة والخدمات. اجتماعيا، يضعف قدرة الأسرة على مراقبة التسربات الصغيرة في الدخل، وهي التسربات التي تلتهم جزءا من “التحويشة” دون أن تشعر الأسرة بها مباشرة. مستويات الأجور والدخل ولا يمكن فصل الادخار عن مستويات الأجور والدخل؛ فتنمية المدخرات العائلية ليست مجرد دعوة إلى “الانضباط المالي”، بل ترتبط بقدرة الاقتصاد على خلق وظائف مجزية. صحيح أن الأنشطة غير النفطية شكلت 85.8 % من الناتج في 2025، لكن السؤال التحليلي الأهم هو نوعية الوظائف التي يولدها هذا الاقتصاد غير النفطي، هل هي وظائف عالية الإنتاجية تسمح بتكوين فائض عائلي؟ أم وظائف تغطي المعيشة دون تراكم؟ هنا تصبح المدخرات العائلية مؤشرا على جودة التنويع الاقتصادي. فإذا كان النمو لا يرفع الدخل الحقيقي للأسر بوتيرة تفوق الالتزامات، فإن الادخار سيبقى هشا حتى في اقتصاد ينمو رسميا. تنوع أشكال المدخرات العائلية تاريخيا، لم يكن الادخار العائلي في البحرين يعتمد على البنوك فقط. الذهب مثّل طويلا أداة ادخار اجتماعية، خصوصا لدى النساء؛ لأنه أصل ملموس وسهل التسييل نسبيا. كذلك الجمعيات مازالت تؤدي وظيفة اقتصادية واجتماعية مهمة؛ فهي تحول الادخار من قرار فردي قابل للتأجيل إلى التزام جماعي قائم على الثقة. في ظل قروض شخصية تتجاوز 6.1 مليار دينار ومعاملات رقمية تفوق 5 مليارات دينار، تصبح الجمعية أداة مقاومة اجتماعية للإنفاق السريع؛ لأنها تجبر الفرد على اقتطاع مبلغ شهري قبل أن تبتلعه دورة الاستهلاك. أما حسابات الجوائز فتستحق قراءة أعمق من كونها منتجات تسويقية؛ فهي تعكس إدراك البنوك أن الادخار لم يعد ينافس بنكا آخر فقط، بل ينافس المطاعم والسفر والتجارة الإلكترونية والتمويل السهل. عندما ترتفع حسابات الادخار وحسابات استثمارية للأفراد، فهذا يعني أن البنوك استطاعت جذب جزء معتبر من المدخرات. كما أن هناك ظاهرة، وإن لم تكن بارزة، لدى بعض فئات الطبقة الوسطى باللجوء إلى الاقتراض كنوع من الادخار الاجباري باقتطاع جزء من رواتبهم للادخار، ويقومون بإعادة استثمار المبلغ المقترض. لكن اجتماعيا، السؤال هو: هل تدفع هذه الحسابات الناس إلى التخطيط طويل الأجل؟ أم تجعل الادخار مرتبطا بالأمل في الجائزة؟ الحل ليس رفض حسابات الجوائز، بل إعادة تصميمها لتكافئ انتظام الادخار وطول مدة الاحتفاظ بالرصيد، لا الرصيد المؤقت فقط. مسح دخل وإنفاق الأسرة هنا تبرز أهمية مسح دخل وإنفاق الأسرة 2024، الذي تنفذه هيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية على عينة تقارب 6,300 أسرة خلال عام كامل. هذا المسح هو الحلقة المفقودة بين بيانات البنوك وواقع البيوت؛ لأنه سيكشف عن كيف يتوزع الدخل، وما هي بنود الإنفاق، وما حجم الفائض القابل للادخار، وهل الادخار متركز أم منتشر. اقتصاديا، سيتيح للمخططين فهم العلاقة بين الدخل والاستهلاك والادخار. اجتماعيا، سيكشف عن مدى قدرة الأسرة البحرينية على بناء احتياط فعلي لا يظهر في أرقام الودائع الكلية. الخلاصة أن البحرين لا تعاني غياب الادخار، بل تواجه تحدي تحويل الادخار إلى أمان عائلي واسع واستثمار وطني منتج. لذلك يجب: - ربط الادخار العائلي بسياسات الدخل والعمل لا بالتوعية وحدها؛ فتنويع الاقتصاد يجب أن يقاس بقدرته على خلق وظائف مجزية ترفع الدخل الحقيقي وتزيد الهامش الادخاري. - تطوير أدوات ادخار تلقائي مرتبطة بالراتب، وتوسيع منتجات استثمار منخفضة المخاطر لصغار المدخرين. - تنظيم الجمعيات مع الحفاظ على بعدها الاجتماعي. - إعادة تصميم حسابات الجوائز لتكافئ السلوك الادخاري المنتظم. بهذا فقط يمكن أن يتحول الادخار من رقم في البنوك إلى ركيزة للأمان والاستقرار الأسري.
Go to News Site