صحيفة البلاد البحرينية
قالت رائدة الأعمال المحللة الاقتصادية بتول شبر، إن التصنيف الائتماني لا ينبغي أن يظل محصورا في إطار القراءة التقليدية التي تميل إلى تفسير أي خفض وكأنه هزيمة اقتصادية مطلقة أو مؤشر سلبي نهائي لا يقبل النقاش. وأوضحت أن هذه النظرة قد تكون قاصرة في بعض الأحيان، خصوصا عندما يتعلق الأمر باقتصادات صغيرة ومرنة مثل اقتصاد البحرين، إذ تبرز ظروف غير مألوفة تجعل خفض التصنيف الائتماني ليس مكسبا بحد ذاته، وإنما نتيجة مرحلية أو ثمنا مؤقتا لقرار اقتصادي أكبر وأكثر اتزانا وعقلانية، يهدف إلى تحقيق استقرار أعمق على المدى المتوسط أو الطويل. وأضافت أن “البحرين في بعض المواقف لا تحتاج بالضرورة إلى إرضاء نماذج وكالات التصنيف بقدر ما تحتاج إلى حماية الداخل الاقتصادي بكل مكوناته”، مشيرة إلى أن الأولوية قد تكون للحفاظ على مستويات السيولة، وضمان استمرارية الوظائف، واستدامة المشاريع، إضافة إلى الحفاظ على هدوء السوق وتوازنها. وأكدت أن البدائل الأخرى، مثل اللجوء إلى تقشف حاد أو تجميد الإنفاق أو الدخول في حالة انكماش اقتصادي تضغط على الاقتصاد الحقيقي، قد تكون أكثر كلفة على المدى القريب، وبالتالي فإن تحمل أثر ائتماني مؤقت قد يكون، في بعض اللحظات، خيارا أكثر نفعا من الالتزام بانضباط شكلي يرضي مؤشرات التصنيف، لكنه ينعكس سلبا على النشاط الاقتصادي الداخلي. وواصلت شبر قائلة “إن بعض الدول قد تلجأ إلى الاقتراض أو التوسع المالي ليس نتيجة فقدان السيطرة على أوضاعها الاقتصادية، بل كخيار محسوب لشراء الوقت وتفادي صدمات أكبر قد تكون أكثر ضررا”. ولفتت إلى أن “خفض التصنيف قد يأتي أحيانا كنتيجة لقرار واعٍ ومدروس يهدف إلى حماية الاقتصاد من كسر مفاجئ، وليس كنتيجة لانهيار أو ضعف هيكلي”. كما أشارت إلى أن وكالات التصنيف تركز في تقييماتها أساسا على مؤشرات مثل الدين العام، والعجز المالي، والقدرة على السداد، لكنها لا تعطي دائما الوزن ذاته لعوامل أخرى لا تقل أهمية، مثل مرونة الدولة، وسرعة اتخاذ القرار، وحجم الدعم الإقليمي، إضافة إلى القدرة السياسية على امتصاص الصدمات والتعامل معها بكفاءة. وبيّنت أن هذه الجوانب هي التي تجعل من البحرين حالة تستدعي قراءة أوسع وأعمق من مجرد الاعتماد على الأرقام والجداول الجامدة. وأكدت أن خفض التصنيف قد يسهم في إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية؛ إذ يمكن أن يدفع الدولة في بعض الحالات إلى إعادة هندسة الإنفاق العام، وتسريع وتيرة الإصلاحات، والعمل على تنويع مصادر التمويل، إلى جانب تعزيز الجدارة الاقتصادية الفعلية بدلا من الاكتفاء بصورة ائتمانية تبدو قوية ظاهريا، موضحة أن الخفض في هذا السياق قد يتحول إلى أداة تنبيه أو إنذار مفيد، يدفع نحو تصحيح المسار، بدلا من عدّه وصمة سلبية دائمة. وعما إذا كانت البحرين بحاجة إلى إنشاء وكالة عربية لإعادة تصنيف ما تصدره وكالات مثل “موديز” وغيرها، قالت شبر “أنا لا أرى جدوى حقيقية من هذا التوجه؛ فمثل هذه الخطوة لن تؤثر بشكل فعلي في تسعير السندات، ولن تكون كافية لإقناع المستثمر الدولي، كما أنها لن تفتح قنوات تمويل جديدة؛ فالفكرة قد تتحول في هذه الحالة إلى عبء أو كلفة دون عائد ملموس، وربما تأخذ طابعا إعلاميا أكثر من كونها أداة مالية ذات تأثير حقيقي في الأسواق”. واختتمت شبر مؤكدة أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في قيام وكالة تصنيف بخفض التقييم، بل في كيفية تعامل الدولة مع هذا الخفض بعد حدوثه، ومشيرة إلى أن التحدي يكمن في تجنب الارتباك واتخاذ قرارات متسرعة، ومؤكدة أن البحرين لا تحتاج إلى ما وصفته بـ “شهادة مواساة ائتمانية”، بقدر ما تحتاج إلى إدارة ذكية وواعية قادرة على احتواء أثر الخفض، والتعامل معه كرقم عابر وليس حكما نهائيا، مع العمل في الوقت ذاته على رفع مستوى الوعي المجتمعي بطبيعة هذه التصنيفات وكيفية قراءتها ضمن سياق اقتصادي أشمل.
Go to News Site