Collector
تحقيق "البلاد“: النفثالين”.. كرات السرطان المتدحرجة الصامتة | Collector
تحقيق
صحيفة البلاد البحرينية

تحقيق "البلاد“: النفثالين”.. كرات السرطان المتدحرجة الصامتة

مرضـــى الحساسية و “السكلـــر” ونقص الخميرة في دائرة الخطر د.صادق العلوي: مادة سامة.. وتداولها ما زال واسعًا د.زينب السلوم: أعراض غامضة.. والخطر يتسلل عبر التنفس حسين الحلواجي: “كرات التعطير” تحتوي مركب يهدد الحمض النووي “الرائحة العطرية” قد تتحول إلى خطر صحي تكسر الدم... أحد أخطر التأثيرات النفتالين... ضيف دائم في البيوت البحرينية في أحد المحلات التجارية المشهورة في البحرين، تكتظ على الرفوف مواد التنظيف والغسيل ويفوح منها روائح المعقمات النفاذة، كانت كرات النفتالين الملونة مرصوصة بشكل مكشوف. بعضها كان مغلقا بإحكام، وآخر منها مكشوف وبضعها استطاعت أن تهرب من الرقابة الموضوعة فيه بالعبوات المخصصة لحفظها، متدلية ومنثورة على الأرفف في كل مكان، لا غطاء يحجبها، ولا تحذير ينبه إلى خطورتها، ولا حتى حاجز يمنع يد طفل من التقاطها بفضول بريء. كرات ملونة ملمسها ناعم والسم ناقع في جوفها، خفيفة الوزن، تشبه الحلوى أكثر مما تشبه مادة كيميائية سامة، وفيها رائحة عطرية نفاذة تترك ذيل عطري خلفها. وبينما الأمهات تنشغل بدفع عربة التسوق، مد طفل صغير يده نحو إحدى تلك الكرات، قلبها بين أصابعه، ثم أعاد لمس وجهه وعينيه دون أن تدرك الأم أن السم قد يكون عالقًا على أطرافه الصغيرة. هذا أحد المشاهد التي سجلناها ونحن نتقصى أثر وجود كرات النفتالين في الأسواق والمحلات التجارية وكيفية تخزينها وكيفية معالمة الناس معها. وهذا المشهد لم يكن استثناء، بل تكرر بصورة لافتة خلال الجولة الميدانية التي قامت “البلاد” بها في عدد من الأسواق ومحلات بيع المنظفات “والسوبر ماركت” حيث تباع مادة “النفتالين” بكثافة ومن دون ضوابط واضحة، رغم ما تحمله من مخاطر صحية قد تصل إلى التسمم الحاد، للجميع وتصل سمياتها إلى الوصول إلى أمراض خبيثة. بعض المحلات تعرضها داخل أكياس شفافة يسهل فتحها، وأخرى تبيعها مكشوفة، بحيث يستطيع أي شخص لمسها مباشرة، بينما تغيب الملصقات التحذيرية أو التعليمات الوقائية في كثير من المنتجات المعروضة. المفارقة أن هذه المادة تسوق بوصفها وسيلة منزلية شائعة لطرد الحشرات ومنح الحمامات وخزائن الملابس رائحة “منعشة”، فيما تخفي خلف رائحتها القوية تركيبة كيميائية مصنفة كمادة سامة إذا أسيء استخدامها أو تم التعرض لها بطرق غير آمنة. وفي المجتمعات البحرينية يعد استخدام الأسر لمادة النفثالين عادة طبيعية وهو يدخل بانتظام إلى كثير من المنازل بهدوء تام، من دون أي ثقافة لدى مستخدميه بأن قد يتحول إلى مادة خطرة صامتة تتسلل عبر الاستنشاق أو الملامسة أو حتى الابتلاع العرضي إلى أجسامهم. الأسئلة الكبيرة ومن هول الطالع من خلال الجولة برزت أسئلة مقلقة: كيف تباع مادة بهذه الخطورة في متناول الجميع بهذه الصورة؟ وأين الرقابة على طرق عرضها وتداولها؟ وهل يدرك المستهلك أصلا طبيعة ما يشتريه ويضعه في منزله قرب الأطفال؟ أم أن الرائحة المألوفة أخفت لسنوات حقيقة أكثر قتامة عن مادة قد تتحول من “معطر” منزلي إلى تهديد صحي حقيقي؟ هذا التحقيق يحاول الاقتراب من الإجابة، عبر تتبع واقع بيع النفتالين في الأسواق البحرينية، ورصد حجم الوعي بمخاطرها، والاستماع إلى آراء مختصين حول الأضرار الصحية المحتملة، والثغرات الرقابية التي تسمح باستمرار تداولها بهذه السهولة. رائحة مألوفة لكن ما بدا في ظاهره مجرد “رائحة مألوفة” داخل الحمامات والخزائن، يخفي – بحسب مختصين – أضرارًا صحية قد تكون أعمق وأكثر خطورة مما يتصوره المستهلك العادي، خصوصًا مع الاستخدام اليومي والتعرض المستمر في الأماكن المغلقة. ولتفسير الأبعاد الطبية والعلمية لهذه المادة، تحدثت استشارية الأنف والأذن والحنجرة والرأس والرقبة، اختصاصية الحساسية وأول متدربة معتمدة في الخليج لتشخيص وتدريب الشم والتذوق الدكتورة زينب السلوم، التي أكدت أن النفثالين يُعد من المواد الكيميائية المتطايرة ذات التأثيرات الصحية المقلقة على الجهاز التنفسي والدم والجهاز العصبي، لا سيما لدى الأطفال ومرضى الحساسية وأمراض الدم الوراثية. وأوضحت الدكتورة زينب السلوم أن النفثالين يُعد من المواد الكيميائية الشائعة المستخدمة في بعض كرات التعطير وطرد الحشرات، ويصنَّف علميًا ضمن المركبات الهيدروكربونية العطرية متعددة الحلقات (PAHs)، وهي مركبات معروفة بقدرتها على التطاير السريع داخل الأماكن المغلقة. وبينت أن خطورته تكمن في تحوله المباشر من الحالة الصلبة إلى الغاز، ما يجعل رائحته تنتشر بسرعة في الحمامات والخزائن والغرف سيئة التهوية، مؤكدة أن “كثيرًا من الناس يتعاملون معه بوصفه منتجًا منزليًا اعتياديًا، بينما قد يحمل تأثيرات صحية ليست بسيطة، خصوصًا مع التعرض المزمن أو الاستخدام غير الآمن”. وأضافت أن النفثالين يدخل إلى جسم الإنسان عبر ثلاث وسائل رئيسية؛ أولها الاستنشاق، وهو الطريق الأكثر شيوعًا بسبب تطاير المادة في الهواء، إضافة إلى الامتصاص عبر الجلد، أو الابتلاع العرضي، خاصة لدى الأطفال. وأشارت إلى أن الجسم بعد التعرض له يقوم باستقلابه داخل الكبد إلى مركبات مؤكسدة قد تتسبب في أضرار مباشرة لخلايا الدم والأنسجة، لافتة إلى أن الجهاز التنفسي يُعد من أكثر الأجهزة تأثرًا بهذه المادة، إذ قد تؤدي إلى تهيج الأغشية المخاطية للأنف، وزيادة العطاس والإفرازات الأنفية، وتهيج الشعب الهوائية، وتحفيز نوبات الربو والكتمة، فضلًا عن زيادة فرط الاستجابة القصبية لدى مرضى الحساسية. أعراض غامضة وبيّنت السلوم أن بعض المرضى يراجعون العيادات وهم يعانون من أعراض تبدو “غامضة” أو غير مرتبطة ظاهريًا بسبب واضح، مثل احتقان الأنف المزمن، والصداع المتكرر داخل المنزل، وحرقان العين، والكحة الليلية أو ضيق التنفس الذي يتحسن بمجرد مغادرة المكان، مؤكدة أن كثيرين لا يربطون تلك الأعراض بوجود مادة كيميائية متطايرة داخل المنزل. وفي جانب آخر وصفته بـ”الأكثر خطورة”، حذرت من تأثير النفثالين على خلايا الدم الحمراء، موضحة أنه يسبب ما يُعرف طبيًا بـ”الإجهاد التأكسدي”، الأمر الذي يؤدي إلى تلف وتكسر خلايا الدم، خصوصًا لدى المصابين بنقص إنزيم G6PD أو مرضى الأنيميا المنجلية (السكلر) وبعض أمراض الدم الوراثية. تكسر الدم وأكدت أن مرضى السكلر تحديدًا يكونون أكثر عرضة للمضاعفات بسبب هشاشة خلايا الدم لديهم، ما قد يؤدي إلى زيادة نوبات الألم والإجهاد العام وهبوط الهيموغلوبين وظهور اليرقان، بل وقد تستدعي بعض الحالات نقل الدم. كما قد يتعرض مرضى نقص G6PD إلى نوبات تكسر دم حادة حتى عند التعرض لكميات يعتقد البعض أنها بسيطة، مع ظهور أعراض مثل التعب المفاجئ والشحوب والدوخة وضيق التنفس والخفقان والبول الداكن. كما أشارت إلى أن التأثيرات لا تتوقف عند الجهاز التنفسي أو الدم، بل قد تمتد إلى الجهاز العصبي أيضًا، إذ إن استنشاق النفثالين بتركيزات مرتفعة قد يسبب الصداع والدوخة والغثيان وضعف التركيز والشعور بالإرهاق العام، لافتة إلى أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر عرضة للخطر بسبب سرعة تنفسهم وانخفاض وزن أجسامهم وحساسية أجهزتهم الحيوية للسموم. وأضافت أن العالم سجل بالفعل حالات تسمم لدى أطفال بعد ابتلاع كرات النفثالين ظنًا منهم أنها حلوى أو ألعاب صغيرة، ما تسبب في تكسر دم شديد واضطرابات عصبية وتنفسية، ووصول بعض الحالات إلى الحاجة للرعاية الطبية المكثفة. العلاقة المسرطنة وحول العلاقة المحتملة بين النفثالين والسرطان، أوضحت السلوم أن بعض الدراسات الحيوانية ربطت بين التعرض المزمن والعالي لهذه المادة وحدوث تغيرات خلوية وسرطانية في الجهاز التنفسي، الأمر الذي دفع جهات صحية عدة إلى تصنيفه ضمن المواد التي تتطلب الحذر وتقليل التعرض لها، خاصة في الأماكن المغلقة. وشددت على ضرورة الانتباه طبيًا لأي أعراض تزداد داخل المنزل، مثل الحساسية والربو والصداع المتكرر أو أعراض تكسر الدم غير المفسرة، مؤكدة أن النفثالين ليس مجرد معطر أو وسيلة لطرد الحشرات، بل مادة كيميائية قد تؤثر على الجهاز التنفسي والدم والجهاز العصبي، وتصبح أكثر خطورة عند الأطفال ومرضى الحساسية والسكلر ونقص G6PD، ما يجعل التوعية وتقليل التعرض والاعتماد على التهوية والبدائل الآمنة أمرًا ضروريًا لحماية الصحة العامة”. التفكيك العلمي وبين التحذيرات الطبية والمشاهد الميدانية التي رصدها التحقيق داخل الأسواق، برزت الحاجة إلى تفكيك هذه المادة من زاوية علمية أكثر عمقًا؛ لفهم طبيعتها الكيميائية، وآلية تطايرها، ومدى خطورتها الفعلية عند استخدامها داخل البيوت والأماكن المغلقة. ومن هذا المنطلق، اتجه التحقيق إلى المختبر العلمي، حيث كان الحديث التخصصي مع رئيس جمعية الكيميائيين البحرينية حسين الحلواجي، الذي شرح التركيبة الكيميائية للنفثالين وخصائصه وتأثيراته المحتملة على الإنسان والبيئة، في محاولة للإجابة عن السؤال الأهم: كيف تتحول مادة تباع على رفوف المتاجر بكل هذه السهولة إلى خطر صحي صامت؟ “كرات التعطير” في الغرف الضيقة التي تتشبع برائحة “كرات التعطير”، وفي الخزائن المغلقة التي تبدو ساكنة وآمنة، تتحرك مادة النفثالين بصمت؛ لا ترى بالعين المجردة، لكنها وفق توصيف علمي دقيق، لا تبقى حبيسة شكلها الصلب طويلًا، بل تبدأ بالتطاير تدريجيًا إلى الهواء، لتتحول من مجرد “رائحة مألوفة” في البيوت إلى مركب كيميائي قادر على التسلل إلى الجهاز التنفسي والدم وربما إلى ما هو أبعد من ذلك. هذا ما أكده الخبير الكميائي حسين الحلواجي، الذي أوضح أن النفثالين يعد من المركبات العضوية المعروفة تاريخيًا باعتباره المكون الرئيسي في كرات مكافحة العث التقليدية، مبينًا أن صيغته الكيميائية (C₁₀H₈)، ويتكون من حلقتي بنزين مدمجتين، ويُصنف ضمن أبسط أنواع الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs)، وهي مركبات ترتبط علميًا بعدد من التأثيرات البيئية والصحية المثيرة للقلق. ويشرح الحلواجي أن النفثالين يظهر في درجة حرارة الغرفة على هيئة مادة صلبة بلورية بيضاء ذات رائحة نفاذة وحادة، إلا أن “المشكلة الحقيقية” بحسب وصفه تكمن في خصيصته الفيزيائية الأخطر، وهي قابليته العالية للتطاير، إذ يتحول مباشرة من الحالة الصلبة إلى الغازية دون المرور بالحالة السائلة، ما يسمح لجزيئاته بالانتشار بسرعة داخل الحمامات والخزائن والغرف سيئة التهوية، لتصبح جزءًا من الهواء الذي يستنشقه الإنسان يوميًا داخل منزله. العلامات الخطيرة ويضيف أن خطورة النفثالين لا ترتبط فقط برائحته القوية أو تأثيره الظاهري، بل بما قد يسببه التعرض المزمن له من مضاعفات صحية متراكمة، مشيرًا إلى أن الاستنشاق المستمر لهذه المادة قد يؤدي إلى الصداع والغثيان والدوخة وتهيج الجهاز التنفسي، كما يمكن أن يسبب فقر دم انحلاليًا، خصوصًا لدى المصابين بنقص إنزيم G6PD، وهي الفئة التي تكون خلايا الدم لديها أكثر هشاشة أمام المواد المؤكسدة. أما ابتلاع النفثالين ولو عن طريق الخطأ فيعد شديد السمية، وقد يقود في بعض الحالات إلى الوفاة، خصوصًا عند الأطفال. الحمض النووي ويكشف الحلواجي أن النفثالين لا يتوقف خطره عند حدود الأعراض المباشرة، بل يمتد إلى طريقة تفاعله داخل الجسم، إذ يتحلل بعد دخوله إلى مركبات أيضية مثل “1-naphthol” و”2-naphthol”، وهي مركبات تفاعلية قادرة وفق الدراسات العلمية على إحداث ضرر في الخلايا والحمض النووي (DNA). ويشير إلى أن دراسات أجريت على الحيوانات أظهرت أن التعرض المستمر لهذه المادة قد يؤدي إلى تغيرات في المادة الوراثية وطفرات جينية قد ترفع احتمالات الإصابة بالأورام السرطانية مع مرور الوقت. ولا يقتصر الأمر وفق الحلواجي على التأثيرات الجينية، إذ إن التعرض طويل الأمد للنفثالين، خصوصًا في البيئات المغلقة وضعيفة التهوية، قد يتسبب في التهابات مزمنة داخل أنسجة الجهاز التنفسي، وهي من العوامل التي تمهد لنمو الخلايا السرطانية. ولهذا السبب، صنفت منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) النفثالين ضمن المجموعة “2B”، أي ضمن المواد التي “يحتمل أن تكون مسرطنة للبشر”، استنادًا إلى أدلة كافية في الدراسات الحيوانية، وإن كانت الأدلة البشرية لا تزال محدودة. تقطير البترول وفي سياق حديثه عن تاريخ تصنيع المادة، يوضح الحلواجي أن النفثالين كان يستخلص خلال الفترة الممتدة من ستينات القرن الماضي وحتى التسعينات عبر عمليات تقطير البترول، إلا أن الكميات الناتجة لم تكن كافية لتلبية حجم الاستخدام المتزايد، ما دفع الصناعات الكيميائية لاحقًا إلى الاتجاه نحو استخلاصه من قطران الفحم. ويشرح أن قطران الفحم يدخل في عمليات تقطير تنتج عنها زيوت تحتوي على نسب مرتفعة من النفثالين إلى جانب مركبات أخرى، ثم تستخدم مواد كيميائية مثل هيدروكسيد الصوديوم لعزل النفثالين وتنقيته. ورغم أن النفثالين المستخلص من قطران الفحم يوفر كميات أكبر، فإن النفثالين الناتج عن تقطير البترول يعد بحسب الحلواجي الأعلى نقاءً من الناحية الكيميائية. التداول الخطورة وبين التحذيرات الطبية التي تحدثت عن الأضرار الصحية، والتفسيرات الكيميائية التي كشفت طبيعة النفثالين وآلية تطايره وتأثيره داخل الجسم، اتسعت دائرة الأسئلة التي حاولنا ملاحقتها: ماذا يحدث فعليًا عندما تتحول هذه المادة إلى غاز داخل البيوت؟ وما حجم المخاطر البيئية والكيميائية الناتجة عن التعرض اليومي لها في الأماكن المغلقة؟ ومن هنا، واصلنا تعميق الجانب العلمي عبر الحديث مع أستاذ الكيمياء الفيزيائية، رئيس اللجنة العلمية في جمعية الكيميائيين البحرينية الدكتور صادق العلوي، الذي قدّم قراءة تخصصية إضافية حول السلوك الكيميائي للنفثالين، وآثاره المحتملة، والفجوة القائمة بين تداوله التجاري الواسع ومستوى الوعي الحقيقي بخطورته. مركب عطري يقول العلوي في حديثه معنا أن النفثالين يعد من المركبات العضوية العطرية المعروفة في الصناعات الكيميائية، ويتكون من حلقتين بنزينيتين مدمجتين، فيما تحمل المادة الصيغة الكيميائية (C₁₀H₈) . وأضاف أن النفثالين يظهر عادة على شكل بلورات بيضاء ذات رائحة قوية ونفاذة، وهي الرائحة التي ارتبطت لسنوات طويلة بما يعرف شعبيا بكرات طرد الحشرات أو “كرات التعطير” المستخدمة داخل المنازل والخزائن والحمامات. وبيّن العلوي أن استخدامات النفثالين لا تقتصر على المنتجات المنزلية فقط، بل تمتد إلى عدة مجالات صناعية وكيميائية، إذ يُستخدم في صناعة الأصباغ وبعض المواد الكيميائية والمبيدات الحشرية، إضافة إلى دخوله كمادة أولية في بعض الصناعات البلاستيكية. إلا أنه شدد في الوقت ذاته على أن اتساع استخدام هذه المادة لا يلغي حقيقة تصنيفها كمادة سامة تتطلب الحذر في التعامل معها، خصوصًا مع التعرض المتكرر أو الاستخدام غير الآمن. أحجام الخطورة وأشار إلى أن خطورة النفثالين تختلف بحسب طريقة التعرض له، موضحًا أن استنشاقه لفترات طويلة قد يؤدي إلى تهيج الجهاز التنفسي وحدوث الصداع والغثيان والشعور بالدوخة، بينما يمثل ابتلاعه خطرًا أكبر، خاصة لدى الأطفال، إذ قد يتسبب في حالات تسمم خطيرة تستدعي التدخل الطبي العاجل. وأضاف أن التعرض المزمن للمادة قد يؤدي كذلك إلى تلف في خلايا الدم والإصابة بفقر الدم الانحلالي، لا سيما لدى الأشخاص المصابين بنقص إنزيم G6PD، وهي الفئة الأكثر حساسية تجاه المواد المؤكسدة. ولفت العلوي إلى أن عددا من الهيئات الصحية والعلمية الدولية تصنف النفثالين ضمن المواد “المحتمل أن تكون مسرطنة للبشر”، وهو ما يفرض – بحسب وصفه – ضرورة التعامل معه بقدر عالٍ من الوعي والحذر، وعدم النظر إليه بوصفه مجرد منتج منزلي اعتيادي تُخفي رائحته النفاذة حقيقة تأثيراته الكيميائية والصحية المحتملة. متوفر بكثرة وأكد أن النفثالين لا يزال متوفراً بصورة واسعة في البحرين ودول الخليج، سواء في بعض محلات العطارة أو متاجر بيع المنظفات والمواد المنزلية، وهو ما رصده التحقيق ميدانيًا خلال جولته في الأسواق، إلا أنه شدد على أهمية الالتزام بإرشادات السلامة العامة الصادرة عن الجهات المختصة، ومنها الدفاع المدني ووزارة الصحة، موضحًا ضرورة عدم استخدام المادة داخل الأماكن المغلقة سيئة التهوية، وإبعادها تمامًا عن متناول الأطفال، وتجنب ملامستها المباشرة أو استنشاقها لفترات طويلة، نظرًا لما قد تسببه من أضرار صحية متراكمة قد لا تظهر آثارها بشكل فوري، لكنها تتفاقم مع الوقت وكثرة التعرض. دول تحظر ومع اتساع التحذيرات الطبية والعلمية المرتبطة بالنفثالين، لم يعد الجدل حول هذه المادة محصورًا داخل المختبرات أو الأوساط الصحية فقط، بل امتد إلى السياسات التنظيمية والتشريعية في عدد من دول العالم، التي بدأت تنظر إلى النفثالين بوصفه مادة تستدعي التقييد أو الحظر، خصوصًا مع تزايد الدراسات التي تربط التعرض المزمن له بمخاطر صحية وبيئية مقلقة. وفي مقابل استمرار تداوله بسهولة في بعض الأسواق، اتخذت دول عدة إجراءات متفاوتة للحد من استخدامه أو تقنين بيعه، ضمن مساعٍ تهدف إلى تقليل التعرض اليومي لهذه المادة داخل المنازل والأماكن المغلقة. ومع تصاعد المؤشرات العلمية التي تربط النفثالين بمخاطر صحية محتملة، بدأت دول عدة حول العالم في إعادة النظر بجدية في آليات تداوله واستخدامه، فيما اتجه بعضها إلى فرض قيود صارمة عليه، أو حظر بعض المنتجات التي تحتويه، خصوصًا تلك المستخدمة داخل المنازل والأماكن المغلقة. تشديد الضوابط وفي دول أوروبية عدة، جرى تشديد الضوابط المتعلقة ببيع كرات النفثالين التقليدية، مع فرض اشتراطات واضحة تتعلق بالتحذيرات الصحية وطرق التخزين والاستخدام، في حين اتجهت أسواق عديدة إلى استبدالها ببدائل أقل خطورة بعد تصاعد المخاوف المرتبطة بتأثيراتها على الجهاز التنفسي والدم واحتمالات ارتباطها بالتعرض المسرطن طويل الأمد. كما فرضت جهات تنظيمية في الولايات المتحدة وكندا قيودًا على بعض المنتجات المحتوية على النفثالين، خاصة تلك المرتبطة بالاستخدام المنزلي المباشر، عقب تسجيل حالات تسمم، معظمها لدى الأطفال، نتيجة الابتلاع العرضي أو التعرض المكثف في الأماكن سيئة التهوية. وأسهمت هذه الوقائع، إلى جانب الدراسات العلمية التي تحدثت عن احتمالية تأثير المادة على الحمض النووي وخلايا الدم، في دفع العديد من الجهات الصحية إلى التحذير من استخدامه العشوائي داخل البيوت. تقييد البيع وفي بعض الدول، لم يعد النفثالين يباع بالشكل التقليدي المفتوح الذي كان شائعًا لعقود، بل أصبح خاضعًا لاشتراطات تتعلق بالتغليف الآمن، ووضع الملصقات التحذيرية، وتحديد نسب التركيز المسموح بها، مع توصيات واضحة بعدم استخدامه في الأماكن المغلقة أو القريبة من الأطفال. كما اتجهت شركات ومصانع في عدة أسواق عالمية إلى تقليل الاعتماد عليه تدريجيًا، والبحث عن مركبات بديلة أقل سمية وأكثر أمانًا للاستخدام المنزلي. وتستند هذه الإجراءات، في جوهرها، إلى جملة من الأسباب الصحية والعلمية، أبرزها المخاوف المرتبطة بتأثير النفثالين على الجهاز التنفسي وخلايا الدم، وارتباطه بحالات التسمم، خصوصًا لدى الأطفال ومرضى نقص إنزيم G6PD، إضافة إلى تصنيفه من قبل الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) ضمن المواد “المحتمل أن تكون مسرطنة للبشر”. وهي مخاوف دفعت دولًا عدة إلى التعامل مع النفثالين باعتباره مادة تحتاج إلى رقابة صارمة، لا مجرد منتج منزلي اعتيادي يوضع على رفوف المتاجر من دون قيود أو تحذيرات كافية. وفي خضم هذا الاستقصاء والبحث العلمي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا حاضرًا: كيف لمادة تحمل كل هذه التحذيرات الكيميائية والصحية أن تباع بهذه السهولة، مكشوفة أحيانًا، وفي متناول أيدي الأطفال، داخل الأسواق والمتاجر اليومية، من دون رقابة واضحة أو تحذيرات صارمة تلفت انتباه المستهلك إلى ما قد يخفيه ذلك “القرص الأبيض” الصغير من أخطار صامتة؟.

Go to News Site