jo24.net
كتب - زياد فرحان المجالي لا تبدو الأحداث المتسارعة في الشرق الأوسط مجرد مواجهات عسكرية منفصلة بين أطراف متنازعة، بل أقرب إلى صراع كبير على الخرائط والنفوذ والممرات الاستراتيجية. فحين ننظر إلى ما يجري في مضيق هرمز، وجنوب لبنان، وغزة، والمفاوضات الأميركية الإيرانية، نجد أنفسنا أمام مشهد واحد تتداخل فيه الجغرافيا مع السياسة، ويتحول فيه كل موقع على الخريطة إلى ورقة تفاوض أو ساحة اختبار أو رسالة ردع. في جنوب لبنان تدور معارك قلعة الشقيف ومرتفعات علي الطاهر وزوطر الشرقية، وهي ليست مجرد أسماء جغرافية عابرة. هذه المرتفعات تمنح من يسيطر عليها قدرة على مراقبة مساحات واسعة من الليطاني والنبطية والجليل. لذلك لا تُقرأ المعركة هناك باعتبارها مواجهة ميدانية محدودة، بل باعتبارها جزءاً من صراع أوسع على التحكم بالمشهد الحدودي وفرض وقائع جديدة على الأرض قبل أي تسوية سياسية محتملة. اللافت أن قلعة الشقيف تحمل بعداً يتجاوز قيمتها العسكرية الحالية. فالموقع يحتل مكانة خاصة في الذاكرة الإسرائيلية منذ سنوات الاحتلال، حين تحولت الطريق المؤدية إليه إلى ما عُرف داخل إسرائيل بـ"الطريق الدامي" نتيجة الخسائر المتكررة التي تعرضت لها القوات الإسرائيلية هناك. لذلك فإن أي عودة إسرائيلية إلى المنطقة لا تعني فقط استعادة موقع عسكري، بل استدعاء لذاكرة حرب طويلة انتهت بانسحاب عام 2000، وما رافق ذلك من تداعيات سياسية ونفسية ما زالت حاضرة حتى اليوم. في المقابل، لا تبدو إسرائيل منشغلة فقط بالمرتفعات الجنوبية. فالمفاوضات الجارية حول لبنان تكشف أن الهدف الأعمق يتمثل في بناء ترتيبات أمنية جديدة تمنحها هامش حركة أوسع على الحدود. ولهذا السبب يتركز الحديث الإسرائيلي والأميركي على التنسيق الأمني أكثر من تركيزه على وقف إطلاق النار نفسه. هنا يكمن جوهر الخلاف، لأن لبنان الرسمي يطالب بوقف الاعتداءات واستعادة السيادة الكاملة، بينما تخشى شرائح واسعة من اللبنانيين أن تتحول المفاوضات إلى آلية لتكريس وقائع فرضتها القوة العسكرية. أما في الخليج، فإن المشهد لا يقل تعقيداً. فمضيق هرمز لم يعد مجرد ممر لعبور النفط، بل تحول إلى عنوان للصراع على حرية الملاحة والنفوذ الإقليمي. الولايات المتحدة تريد إبقاء المضيق مفتوحاً بوصفه شرياناً للتجارة العالمية، بينما تنظر إيران إليه باعتباره إحدى أهم أوراق الردع في مواجهة العقوبات والضغوط العسكرية والسياسية. لكن الخطأ الأكبر هو النظر إلى هذه الملفات بوصفها قضايا منفصلة. فالتطورات تشير إلى أن ما يحدث في لبنان يرتبط بما يجري في هرمز، وما يجري في هرمز يرتبط بالمفاوضات الأميركية الإيرانية، وما يجري في غزة يؤثر مباشرة في حسابات واشنطن وتل أبيب وطهران. المنطقة كلها أصبحت ساحة مترابطة، بحيث يمكن لضربة في جنوب لبنان أن تؤثر على أجواء التفاوض مع إيران، ويمكن لأي تطور في هرمز أن ينعكس على أسواق الطاقة وعلى حسابات القوى الكبرى. ومن هنا يمكن فهم سبب التناقض الظاهري بين التصعيد والتفاوض في الوقت نفسه. فالتاريخ يعلمنا أن كثيراً من المفاوضات الكبرى جرت تحت النار لا في ظل الهدوء. الأطراف تحاول تحسين شروطها قبل الوصول إلى الطاولة النهائية، وتسعى إلى جمع أكبر قدر ممكن من أوراق القوة قبل لحظة الحسم. ولذلك فإن الغارات، والتحركات العسكرية، والإنذارات المتبادلة، ليست بالضرورة مؤشراً على حرب شاملة وشيكة، لكنها أيضاً ليست مجرد رسائل إعلامية عابرة. ما نشهده اليوم هو مرحلة انتقالية بين نظام إقليمي قديم يتراجع تدريجياً، ونظام جديد لم تتضح معالمه بعد. إسرائيل تحاول فرض وقائع ميدانية جديدة في لبنان وغزة. إيران تحاول تثبيت موقعها الإقليمي ومنع تحويل التفاوض إلى استسلام سياسي. الولايات المتحدة تسعى إلى حماية مصالحها الاستراتيجية وتجنب الانزلاق إلى حرب واسعة. أما الدول العربية فتجد نفسها أمام تحدي الحفاظ على الاستقرار وسط عاصفة إقليمية تتجاوز حدود كل دولة على حدة. لهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يربح معركة هنا أو هناك؟ بل: من ينجح في رسم خريطة ما بعد الحرب؟ فالخرائط التي تُرسم اليوم على تلال الشقيف، وفي مياه هرمز، وعلى طاولات التفاوض المغلقة، قد تكون أكثر تأثيراً من نتائج أي معركة ميدانية منفردة. وعندما تهدأ المدافع يوماً، سيكتشف الجميع أن الصراع لم يكن فقط على الأرض، بل على شكل المنطقة كلها، وعلى موازين القوة التي ستحدد مستقبلها لسنوات طويلة قادمة. .
Go to News Site