Collector
*بين هيبة القانون وفوضى الإتاوات* | Collector
*بين هيبة القانون وفوضى الإتاوات*
jo24.net

*بين هيبة القانون وفوضى الإتاوات*

في لحظةٍ كان يفترض أن تكون عنوانًا للفرح العائلي، خرجت أسرة أردنية لقضاء ساعات هادئة بعيدًا عن صخب الحياة اليومية، أطفال يركضون ببراءة، وأبٌ يبحث عن فسحة من الراحة، وأمٌ تراقب تفاصيل المشهد بعين الرضا، لكن المشهد الذي بدأ بالطمأنينة انتهى بالخوف، وتحولت النزهة إلى مأساة بعدما تعرض أفراد الأسرة لاعتداء عنيف نقل بعضهم إلى المستشفى لتلقي العلاج. قد تختلف الحوادث في تفاصيلها وأماكنها وأزمانها، إلا أن الرسالة التي تتركها في وجدان المجتمع واحدة: حين يُعتدى على إنسان بريء، لا يكون المستهدف فردًا بعينه، بل الشعور العام بالأمن الذي يشكل أساس الاستقرار والحياة الكريمة. وفي مناسبات أخرى، استيقظ الرأي العام على قصص مهنيين وأصحاب أعمال ومواطنين وجدوا أنفسهم في مواجهة اعتداءات متكررة أو محاولات ترهيب وابتزاز أثناء ممارسة أعمالهم أو إدارة مصالحهم، لم تكن المشكلة في خلاف عابر أو نزاع محدود، بل في عقلية ترى في القوة وسيلة لانتزاع ما ليس حقًا، وفي التخويف طريقًا لفرض النفوذ على الآخرين. وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن لأي مجتمع أن يتجاهله: *ماذا يحدث عندما يعتقد بعض الخارجين على القانون أن بإمكانهم تجاوز الحدود دون حساب؟* لقد اختصرت الحكمة العربية الجواب في عبارة موجزة لكنها عميقة الدلالة: " *من أمن العقاب أساء الأدب* ." فالمشكلة لا تبدأ غالبًا بالفعل الإجرامي ذاته، بل تبدأ عندما يظن صاحبه أن المحاسبة بعيدة، وأن القانون لن يطاله، وأن الخوف الذي يزرعه في نفوس الآخرين كفيل بحمايته، عندها تتجرأ النفوس على التمادي، ويتحول التجاوز إلى سلوك، والسلوك إلى ظاهرة، والظاهرة إلى تهديد حقيقي لأمن المجتمع واستقراره. إن أخطر ما في الإتاوات وأعمال البلطجة والاعتداءات المتكررة أنها لا تستهدف المال أو الممتلكات فقط، بل تستهدف فكرة الدولة نفسها، فهي محاولة لإحلال منطق القوة محل منطق القانون، واستبدال سلطة المؤسسات بسلطة الخوف، وإقناع الناس بأن أمنهم مرهون بقدرتهم على حماية أنفسهم، لا بحماية القانون لهم. غير أن المجتمعات التي تحترم نفسها لا تسمح لمثل هذا المنطق أن ينتصر، فهيبة القانون ليست ترفًا إداريًا، وليست شعارًا سياسيًا يُرفع عند الحاجة، بل هي الضمانة الحقيقية لحقوق المواطنين وحرياتهم وأمنهم، وعندما يشعر المواطن أن القانون يقف إلى جانبه، يزداد انتماؤه لوطنه وثقته بمؤسساته، ويصبح الأمن ثقافة عامة لا مجرد إجراء رسمي. وقد جاء الإسلام ليضع قواعد واضحة تحفظ للإنسان كرامته وتصون للمجتمع استقراره، فقال تعالى: *﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾.* وقال سبحانه: *﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.* وقال جل شأنه: *﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.* وفي السنة النبوية الشريفة يقول رسول الله ﷺ: *"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".* ويقول ﷺ: " *اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة".* إن هذه النصوص العظيمة لا تكتفي بإدانة الجريمة، بل تؤسس لرؤية حضارية متكاملة تجعل احترام الإنسان وحماية حقوقه قيمة دينية وأخلاقية ومجتمعية في آن واحد. ومن هنا تتجلى أهمية الدور الذي تضطلع به الأجهزة الأمنية ومؤسسات إنفاذ القانون في مواجهة كل من يحاول العبث بأمن المجتمع أو فرض سطوته على الآخرين، فالإجراءات الصارمة بحق المعتدين وأصحاب السوابق الخطيرة ليست مظهرًا من مظاهر التشدد، وإنما تعبير عن مسؤولية الدولة في حماية الأبرياء وصيانة السلم الأهلي. فالعدالة ليست انتقامًا، وإنما حماية للمستقبل، وكل إجراء قانوني حازم بحق معتدٍ هو في جوهره رسالة طمأنينة لآلاف المواطنين الذين يريدون أن يعيشوا حياتهم الطبيعية دون خوف أو تهديد أو ابتزاز. وقد أدرك الحكماء هذه الحقيقة منذ قرون طويلة، فقالوا: *" العدل أساس الملك."* وقيل: " *إذا غاب العدل حضرت الفوضى."* وقيل: *"الظلم مؤذن بخراب العمران."* وقال الشاعر: *لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا فالظلم ترجع عقباه إلى الندم* *تنام عيناك والمظلوم منتبهٌ يدعو عليك وعين الله لم تنم* إن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من إمكانات مادية، بل بقدرتها على حماية الإنسان البسيط؛ ذلك المواطن الذي يريد أن يعود إلى منزله آمنًا، وأن يمارس عمله مطمئنًا، وأن يخرج مع أسرته دون أن يخشى اعتداءً أو ترهيبًا أو إتاوة يفرضها خارج على القانون. ولهذا فإن معركة الأمن ليست معركة الأجهزة الأمنية وحدها، بل هي معركة مجتمع بأكمله؛ تبدأ من الأسرة التي تزرع القيم، ومن المدرسة التي تربي على احترام القانون، ومن المسجد الذي يرسخ معاني العدل، ومن الإعلام الذي يرفض تمجيد العنف ويعزز ثقافة المواطنة والمسؤولية. وفي النهاية تبقى الحقيقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: أن هيبة القانون ليست امتيازًا للدولة، بل حق للمواطن، وأن العدالة ليست مطلبًا نخبويًا، بل ضرورة حياتية لا تستقيم المجتمعات من دونها. فحين يطمئن المواطن أن حقه محفوظ، ويوقن المعتدي أن القانون بالمرصاد، تنتصر الدولة، ويستقر المجتمع، وتبقى كرامة الإنسان مصونة. ويبقى الدرس الذي لا يتغير مهما تغيرت الأزمنة: *من أمن العقاب أساء الأدب، ومن أيقن بعدالة القانون احترم حدود الحق والواجب.* .

Go to News Site