Collector
تحليل اقتصادي | من الألمنيوم الأخضر إلى الاقتصاد الإبداعي.. كيف تعيد البحرين رسم نفوذها الاقتصادي عالميا؟ | Collector
تحليل اقتصادي | من الألمنيوم الأخضر إلى الاقتصاد الإبداعي..  كيف تعيد البحرين رسم نفوذها الاقتصادي عالميا؟
صحيفة البلاد البحرينية

تحليل اقتصادي | من الألمنيوم الأخضر إلى الاقتصاد الإبداعي.. كيف تعيد البحرين رسم نفوذها الاقتصادي عالميا؟

“البا” تستحوذ على أكبر مصهر ألمنيوم أولي في الاتحاد الأوروبي ضمن صفقة تعيد رسم حضور البحرين الصناعي عالميا أرباح “البا” تقفز 316 % إلى 75.3 مليون دينار في الربع الأول من 2026 قبل تنفيذ صفقة الاستحواذ الكبرى صناعة الألمنيوم تسهم بما بين 10 % و12 % من الناتج المحلي الإجمالي للبحرين صفقة “دونكيرك” المقدرة بـ 2.2 مليار دولار تعكس ثقة التمويل الدولي بقدرة “البا” على التوسع العالمي “البا” تحصل على موطئ قدم مباشر داخل سوق الألمنيوم الأخضر المتوقع أن تقود الصناعات المستقبلية تبــرز قيمة “ألمنيــوم دونكيرك” لكونها من أقل المصاهر الأوروبية انبعاثا للكربــون في وقت يعاد فيه رسم خرائط الصناعة والطاقة والاستثمار عالميا تبدو البحرين وكأنها تتحرك نحو مرحلة جديدة من التنويع الاقتصادي، تقوم على بناء نفوذ اقتصادي عابر للحدود وليس فقط تنمية القطاعات المحلية. فالتحركات البحرينية الأخيرة في فرنسا لم تكن مجرد اتفاقيات استثمارية تقليدية، بل عكست توجها أكثر عمقا يرتبط بإعادة تموضع الاقتصاد البحريني داخل سلاسل القيمة العالمية والقطاعات المستقبلية. فمن جهة، وقعت شركة ألمنيوم البحرين (البا) اتفاقا للاستحواذ على “ألمنيوم دونكيرك” الفرنسية، أكبر مصهر ألمنيوم أولي في الاتحاد الأوروبي، فيما دخل صندوق الثروة السيادي “ممتلكات” في شراكة استراتيجية مع شركة TRAIL الفرنسية للاستثمار في قطاعات الرياضة والفنون والموسيقى والرفاهية. وبين الصناعة الثقيلة والاقتصاد الإبداعي تتشكل ملامح نموذج بحريني جديد يقوم على امتلاك أصول استراتيجية داخل الاقتصادات العالمية بدلا من الاكتفاء بدور المستثمر التقليدي أو المصدر الإقليمي. أوروبا تحت ضغط الطاقة والألمنيوم في قلب المعركة لا يمكن فهم صفقة “البا” بعيدا عن التحولات العميقة التي تعيشها الصناعة الأوروبية منذ الحرب الروسية الأوكرانية، التي دفعت القارة إلى مواجهة واحدة من أعقد أزمات الطاقة في تاريخها الحديث. فمع ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء بصورة حادة منذ 2022 تعرضت الصناعات الأوروبية كثيفة الاستهلاك للطاقة لضغوط غير مسبوقة، وعلى رأسها صناعة الألمنيوم التي تعتمد بصورة أساسية على الكهرباء في عمليات الإنتاج. وقد ارتفع متوسط أسعار الكهرباء الأوروبية إلى نحو 201 يورو لكل ميغاواط / ساعة خلال الربع الأول من العام 2022، بزيادة بلغت 281 % مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما تجاوزت الأسعار في بعض الفترات حاجز 400 يورو لكل ميغاواط / ساعة، وهو ما انعكس مباشرة على الجدوى الاقتصادية للإنتاج الصناعي داخل أوروبا. وأجبرت الأزمة عددا من المصاهر الأوروبية على خفض الإنتاج أو تعليق بعض العمليات التشغيلية، إذ فقدت أوروبا نحو 1.1 مليون طن من طاقتها الإنتاجية للألمنيوم الأولي منذ أواخر 2021، وهو ما يعادل قرابة نصف الطاقة الإنتاجية للقطاع، كما خفضت بعض المصاهر إنتاجها بنسب وصلت إلى 60 % بسبب ارتفاع تكاليف الكهرباء وتراجع هوامش الربحية. وأعاد ذلك فتح النقاش داخل أوروبا بشأن أمن الطاقة والحفاظ على الصناعات الاستراتيجية في مواجهة المنافسة العالمية، خصوصا من الولايات المتحدة والصين ودول الخليج، التي تتمتع بميزة تنافسية تتمثل في انخفاض تكاليف الطاقة واستقرار الإمدادات. وفي المقابل، تبدو فرنسا معنية بالحفاظ على الأصول الصناعية الاستراتيجية داخل البلاد، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالطاقة والتحول الصناعي، وهو ما يفسر الترحيب باستثمارات طويلة الأجل قادرة على دعم الإنتاج والحفاظ على الوظائف وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية. وفي خضم هذه التحولات برزت أهمية الأصول الصناعية القادرة على التكيف مع معايير الطاقة الجديدة، وهنا تحديدا تبرز قيمة “ألمنيوم دونكيرك” التي تنتج نحو 300 ألف طن سنويا من الألمنيوم الأولي، وتعد أكبر مصهر ألمنيوم أولي في الاتحاد الأوروبي، فيما تخدم قطاعات استراتيجية تشمل السيارات والطيران والدفاع والبناء والتغليف. وخلال السنوات الخمس الماضية نفذت الشركة تحولا تشغيليا وماليا واسعا شمل تحسين كفاءة الطاقة وتعزيز الاعتمادية التشغيلية وتوقيع اتفاقيات طويلة الأجل مع شركة كهرباء فرنسا “EDF”؛ ما عزز موقعها كواحدة من أقل شركات الألمنيوم انبعاثا للكربون في أوروبا. كما بدأت الشركة خلال 2025 التوسع في إعادة تدوير خردة الألمنيوم، إذ قامت بإعادة صهر نحو 12 ألف طن من الخردة المعدنية في خطوة ترتبط بالتحول العالمي نحو الاقتصاد الدائري وتقليل الانبعاثات الكربونية. وبذلك لا تبدو الصفقة بالنسبة لـ “البا” مجرد توسع صناعي تقليدي، بل محاولة لبناء موقع مباشر داخل سوق الألمنيوم الأخضر الذي يتوقع أن يقود جزءا كبيرا من الطلب الصناعي العالمي خلال العقود المقبلة. لماذا تتحرك “البا” الآن؟ توقيت الصفقة يحمل دلالات استراتيجية مهمة؛ فشركة “البا” دخلت الاتفاق من موقع مالي قوي بعد ارتفاع صافي أرباحها خلال الربع الأول من 2026 إلى 75.3 مليون دينار، مقارنة بـ18.1 مليون دينار في الفترة نفسها من 2025 بنمو تجاوز 316 %. كما أن الصفقة التي قدرت بـ 2.2 مليار دولار سيتم تمويلها بالكامل عبر تحالف من البنوك الشريكة، وهو ما يعكس ثقة المؤسسات المالية الدولية في متانة المركز المالي للشركة وقدرتها على تنفيذ توسعات صناعية كبرى. ومع إنتاج “ألمنيوم دونكيرك” نحو 300 ألف طن سنويا، فإن الصفقة تعني زيادة الطاقة الإنتاجية لـ “البا” بما يقارب 18 % مقارنة بمستوياتها الحالية، وهو ما يعكس حجم التوسع الذي تسعى الشركة إلى تحقيقه في الأسواق الأوروبية. ويكتسب توقيت الصفقة أهمية إضافية كونها تأتي في فترة تشهد فيها المنطقة توترات جيوسياسية متصاعدة؛ ما يعكس قدرة الشركات البحرينية على مواصلة التوسع الخارجي وتنفيذ صفقات استراتيجية على رغم التقلبات الإقليمية. والأهم أن “البا” لا تتحرك هنا كشركة تصدير خليجية تقليدية بل كمجموعة صناعية عالمية تسعى إلى بناء حضور جغرافي متنوع يمتد بين الخليج وأوروبا؛ فوجود قاعدة إنتاجية داخل أوروبا يمنح الشركة مزايا استراتيجية تشمل الوصول المباشر إلى الأسواق الأوروبية وتقليل الاعتماد على الشحن التقليدي وتنويع مواقع الإنتاج في ظل تصاعد المخاطر التجارية والجيوسياسية عالميا. الألمنيوم الأخضر معدن الاقتصاد الجديد تكشف صفقة “البا” عن التحول العميق الذي يشهده سوق الألمنيوم العالمي إذ لم يعد الألمنيوم مجرد معدن صناعي تقليدي، بل أصبح أحد المكونات الأساسية للاقتصاد الأخضر بفضل استخداماته المتزايدة في السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبنية التحتية منخفضة الكربون. وتزداد أهمية الألمنيوم عالميا مع التوسع في صناعة السيارات الكهربائية التي تعتمد بصورة متزايدة على المعادن خفيفة الوزن لتحسين كفاءة الطاقة وتقليل الانبعاثات، وهو ما يعزز الطلب المستقبلي على الألمنيوم منخفض الكربون. وفي المقابل، تتجه الأسواق الأوروبية إلى تشديد المعايير البيئية المفروضة على الصناعات الثقيلة والواردات الصناعية مع تصاعد التركيز على البصمة الكربونية وسلاسل التوريد المستدامة؛ الأمر الذي رفع أهمية المنتجين القادرين على توفير ألمنيوم منخفض الانبعاثات. وهنا تبرز قيمة “ألمنيوم دونكيرك” باعتبارها واحدة من أقل المصاهر الأوروبية انبعاثا للكربون بفضل اعتمادها على الكهرباء منخفضة الانبعاثات وتحسين كفاءة الطاقة، إلى جانب توسعها في إعادة تدوير خردة الألمنيوم ضمن توجهات الاقتصاد الدائري. ويأتي ذلك في وقت تتوقع فيه وكالة الطاقة الدولية ارتفاع الطلب العالمي على المعادن المرتبطة بتقنيات الطاقة النظيفة بأكثر من ثلاثة أضعاف بحلول العام 2040، مع تزايد الاستثمارات في السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والبنية التحتية منخفضة الكربون. كما يتوقع أن يشهد الطلب على الألمنيوم المستخدم في الصناعات المرتبطة بالتحول الطاقي نموا متسارعا خلال السنوات المقبلة، خصوصا مع التوسع العالمي في صناعة السيارات الكهربائية التي تعتمد بصورة أكبر على المعادن خفيفة الوزن لتحسين كفاءة الطاقة وتقليل الانبعاثات. الألمنيوم ركيزة الاقتصاد غير النفطي البحريني كما تحمل الصفقة أبعادا مهمة للاقتصاد البحريني نفسه، خصوصا أن قطاع الألمنيوم يعد أحد أهم أعمدة الاقتصاد غير النفطي في المملكة. وتظهر بيانات التجارة الخارجية للعام 2025 أن سبائك الألمنيوم غير المشغولة تصدرت قائمة الصادرات الوطنية غير النفطية بصورة متواصلة، إذ شكلت نحو 27 % من إجمالي الصادرات غير النفطية في الربع الأول من العام وارتفعت إلى 28 % في الربع الثالث ثم إلى 29 % في الربع الرابع؛ ما يعكس الدور المحوري للقطاع في التجارة الخارجية البحرينية. كما تشير تقديرات قطاعية إلى أن صناعة الألمنيوم تسهم بما يتراوح بين 10 % و12 % من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب دورها في دعم منظومة واسعة من الصناعات التحويلية المرتبطة بمواد البناء والهندسة والكابلات والمنتجات المعدنية والخدمات اللوجستية. ويكتسب ذلك أهمية إضافية إذا ما أخذ في الاعتبار أن “البا” تنتج أكثر من 1.6 مليون طن سنويا من الألمنيوم، وذلك يمنح أي توسع خارجي للشركة انعكاسات تتجاوز نتائجها المالية إلى تعزيز ثقل البحرين الصناعي والتصديري على المستوى الدولي. ومن هنا فإن توسع “البا” خارجيا لا يمثل مجرد نمو لشركة صناعية بل يعزز مكانة البحرين نفسها داخل سلاسل القيمة العالمية للألمنيوم والصناعات منخفضة الكربون ويرسخ موقع المملكة كمركز إقليمي للصناعات المعدنية المتقدمة. تحول في طبيعة رأس المال الخليجي تكشف الصفقة أيضا عن تحول أوسع في طبيعة الاستثمارات الخليجية داخل أوروبا؛ فبعد عقود ارتبطت خلالها رؤوس الأموال الخليجية بصورة رئيسة بالعقار والأسواق المالية والضيافة، بدأت الشركات والصناديق الخليجية تتجه بصورة متزايدة نحو امتلاك أصول صناعية وتشغيلية استراتيجية داخل الاقتصادات المتقدمة نفسها. وتأتي الصفقة أيضا في وقت تشهد فيه بعض الصناعات الأوروبية الثقيلة ضغوطا مالية وتشغيلية دفعت عددا من المجموعات الصناعية إلى إعادة هيكلة أصولها أو التخارج من بعض الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة. وفي المقابل تبدو الشركات الخليجية أكثر استعدادا للدخول إلى هذه القطاعات مستفيدة من وفرة السيولة والخبرة المتزايدة في الصناعات المرتبطة بالطاقة والمعادن، وهو ما يعكس تحولا تدريجيا في خريطة الملكية الصناعية العالمية. ويبدو هذا التحول أكثر وضوحا في القطاعات المرتبطة بالطاقة والمعادن والصناعة النظيفة، وهي القطاعات التي أصبحت تمثل أولوية استراتيجية لأوروبا في ظل اضطرابات التجارة العالمية وأمن الطاقة. ومن هنا لا تبدو صفقة “البا” مجرد استحواذ تجاري بل جزء من إعادة تشكيل أوسع لخريطة النفوذ الصناعي العالمي، إذ تنتقل الشركات الخليجية من دور المورد التقليدي للطاقة والمواد الخام إلى دور المالك والمشغل الصناعي داخل الاقتصادات المتقدمة. اقتصاد ما بعد النفط من الصناعة إلى الاقتصاد الإبداعي في المقابل، تكشف شراكة “ممتلكات” مع شركة TRAIL الفرنسية عن مسار اقتصادي مختلف لكنه لا يقل أهمية عن التوسع الصناعي. فهنا لا نتحدث عن المعادن أو المصانع بل عن الاقتصاد الإبداعي الذي أصبح أحد أسرع القطاعات نموا عالميا مدفوعا بالرياضة والترفيه والفنون والموسيقى والفعاليات الكبرى. وخلال السنوات الأخيرة تحولت هذه القطاعات إلى صناعات بمليارات الدولارات ترتبط بالسياحة والإعلام والعلامات التجارية وحقوق البث والضيافة والاقتصاد التجريبي. ولهذا السبب ضخت الصناديق السيادية الخليجية استثمارات ضخمة في الأندية الرياضية وشركات الترفيه والفعاليات العالمية، باعتبارها قطاعات تجمع بين العائد المالي والتأثير الاقتصادي والسياحي والإعلامي. ودخول “ممتلكات” في منصة SLAM التابعة لـ “TRAIL” يعكس إدراك البحرين لهذا التحول العالمي، خصوصا مع سعي المملكة لتعزيز موقعها في اقتصاد الفعاليات والسياحة الرياضية والمعارض الدولية. كما أن إنشاء مكتب إقليمي للشركة الفرنسية في المنامة يمنح البحرين فرصة للتحول إلى منصة إقليمية للاستثمارات المرتبطة بالرياضة والفنون والاقتصاد الإبداعي في الخليج. التنويع الاقتصادي بصيغة جديدة لفترة طويلة ارتبط مفهوم التنويع الاقتصادي الخليجي بالسياحة والخدمات المالية والعقار، لكن التحركات البحرينية الأخيرة تكشف عن أن المفهوم نفسه يتغير بصورة متسارعة؛ فالتنويع اليوم لم يعد يعني فقط خلق قطاعات غير نفطية داخل الاقتصاد المحلي، بل امتلاك أصول استراتيجية عالمية قادرة على توليد دخل ونقل معرفة وتعزيز الحضور الاقتصادي للدولة خارج حدودها. ومن هنا تبدو البحرين وكأنها تتحرك في مسارين متوازيين الأول صناعي عالمي عبر “البا” والألمنيوم منخفض الكربون، والثاني استثماري وإبداعي عبر ممتلكات والاقتصاد المرتبط بالرياضة والفنون والترفيه، وفي الحالتين فإن الهدف النهائي يبدو واحدا وهو بناء اقتصاد أكثر ارتباطا بالقطاعات المستقبلية وأقل اعتمادا على دورة النفط التقليدية. ما حدث في باريس يتجاوز كثيرا فكرة صفقات أو استثمارات منفصلة إنه يعكس تحولا أعمق في طريقة تحرك الاقتصاد البحريني خارجيا، إذ أصبحت الشركات الوطنية والصناديق السيادية أدوات لبناء حضور اقتصادي عالمي يرتبط بالصناعة النظيفة والاقتصاد الإبداعي وسلاسل القيمة المستقبلية. وبين مصاهر الألمنيوم الأوروبية ومنصات الاقتصاد الإبداعي، يبدو أن البحرين تحاول أن تثبت أن النفوذ الاقتصادي في عالم اليوم لم يعد يقاس بحجم الجغرافيا بل بالقدرة على التموضع داخل القطاعات التي ستقود الاقتصاد العالمي مستقبلا.

Go to News Site