Collector
أكبر تهديد للغرب: أزمة الثقة بالنفس | Collector
أكبر تهديد للغرب: أزمة الثقة بالنفس
ترك برس

أكبر تهديد للغرب: أزمة الثقة بالنفس

كرم ألكين - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس يحمل «مؤشر ميونيخ للأمن»، الذي يصدره مؤتمر ميونيخ للأمن ويرصد سنوياً النبض السياسي والاقتصادي والاستراتيجي للعالم، هذا العام أيضاً رسائل لافتة للغاية بشأن مستقبل النظام العالمي. غير أن الحقيقة الأكثر إثارة التي يكشف عنها تقرير المؤشر لعام 2026 تشير إلى مشكلة أعمق بكثير من روسيا أو الصين أو الحروب أو التوترات التجارية؛ فالمجتمعات الغربية بدأت تفقد ثقتها بأن نماذجها الديمقراطية قادرة على جعل المستقبل أفضل. وفي الواقع، فإن الرسالة الأساسية التي يمكن قراءتها بين سطور التقرير هي التالية: «إن الأزمة الحقيقية التي يعيشها الغرب اليوم ليست اقتصادية، بل نفسية». فالمجتمعات لم تعد تؤمن بالقدر نفسه الذي كانت تؤمن به سابقاً بأن أنظمتها القائمة على الديمقراطية قادرة على حل المشكلات وإدارة الأزمات وتوفير حياة أفضل للأجيال القادمة. إن أكبر مشكلة يواجهها الغرب ليست فقدان القوة بقدر ما هي فقدان الإيمان بنموذجه الخاص. طوال فترة الحرب الباردة، لم تكن أهم ميزة للغرب هي قدراته العسكرية أو حجمه الاقتصادي. بل كانت قوته الحقيقية تتمثل في ثقته الراسخة التي لا تتزعزع بتفوق نظامه. فقد كان يُنظر إلى الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق الحر والمؤسسات الدولية متعددة الأطراف بوصفها نموذجاً يعد البشرية بمستقبل أفضل. أما اليوم، فإن المجتمعات نفسها باتت تعتقد أن هذا النموذج لم يعد ينتج النتائج الفعالة نفسها التي كان ينتجها في السابق. ومن القضايا المهمة الأخرى التي يسلط عليها مؤشر ميونيخ للأمن الضوء ظاهرة «سياسات الهدم». ففي العديد من الدول الغربية، لم يعد الناخبون يتجهون إلى السياسيين الذين يعدون بإصلاح النظام، بل إلى القادة الذين يعدون بزعزعة النظام القائم وتغييره جذرياً. ولا يعود ذلك إلى الصعوبات الاقتصادية وحدها، بل إن السبب الرئيسي هو القناعة المتزايدة بأن المؤسسات القائمة في الدول الغربية لم تعد قادرة على حل المشكلات. وتُظهر نتائج الاستطلاعات أن الثقة بكل من الحكومات الوطنية والمنظمات الدولية قد تآكلت بصورة ملحوظة. فالمواطنون يرون أن البيروقراطية أصبحت أكثر ثقلاً، وأن آليات اتخاذ القرار باتت أبطأ، وأن المؤسسات تواجه صعوبة في التكيف مع ظروف العالم المتغيرة. ولهذا السبب، تجد الخطابات المناهضة للنظام قبولاً مجتمعياً أوسع بكثير مقارنة بالماضي. ومن التطورات الحرجة الأخرى التي يشير إليها التقرير أن الحروب التجارية لم تعد تُعتبر مجرد قضية اقتصادية. فالتعريفات الجمركية وسلاسل التوريد والمعادن الاستراتيجية والمنافسة التكنولوجية باتت تُقيَّم مباشرة تحت عنوان الأمن القومي. ويُظهر هذا الوضع أن «العولمة 2.0» تفسح المجال تدريجياً أمام نظام اقتصادي أكثر حمائية وأكثر ميلاً إلى الإقليمية. ومن النتائج اللافتة الأخرى التي يكشفها مؤشر ميونيخ للأمن التغير في النظرة إلى الولايات المتحدة. ففي جميع الدول المشاركة في الدراسة، ارتفع مستوى إدراك التهديد الناجم عن الولايات المتحدة مقارنة بالفترة السابقة. ويُعد ذلك تحولاً بالغ الأهمية بالنسبة للنظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. إذ يبدو للمرة الأولى أن الطرف الذي أسس النظام القائم منذ ثمانين عاماً بدأ يُنظر إليه اليوم بوصفه قوة تثير تساؤلات جدية بشأن استقرار هذا النظام نفسه. وعلى الرغم من بروز كل هذه التفاصيل، لا تزال روسيا تُصنَّف في التقرير باعتبارها أهم تهديد أمني على المستوى العالمي. إلا أن العالم لم يعد يركز على محور تهديد واحد فقط. فالهجمات السيبرانية، والتضليل الإعلامي، والحروب التجارية، والتغير المناخي، والظواهر الجوية المتطرفة، والتفاوتات الاجتماعية، كلها عوامل وسّعت بشكل كبير نطاق مفهوم الأمن. ولعل أهم نتيجة يتوصل إليها التقرير هي التباعد المتزايد في إدراك المخاطر بين دول مجموعة السبع (G7) والاقتصادات الصاعدة في مجموعة (E7). ففي حين تركز الدول الغربية على التهديدات السيبرانية والهشاشة الاقتصادية، تنظر الاقتصادات الصاعدة إلى التغير المناخي والتفاوتات الاجتماعية باعتبارهما من أخطر مصادر المخاطر. وهذا التباعد يجعل التوصل إلى حلول عالمية مشتركة أكثر صعوبة يوماً بعد يوم. يُظهر «مؤشر ميونيخ للأمن 2026» أن العالم لا يمر فقط بمرحلة تحول جيوسياسي، بل أيضاً بأزمة عميقة من الثقة والشرعية. ولم يعد أكبر تهديد للنظام العالمي يتمثل فقط في المنافسين الخارجيين، بل في تآكل الثقة بقدرة الأنظمة الديمقراطية على حل المشكلات. وإذا لم يتمكن العالم الغربي من إعادة تقديم الأمل والرفاهية ورؤية مستقبلية جديدة لمجتمعاته، فإن القضية الحاسمة في المرحلة المقبلة لن تكون موازين القوى بقدر ما ستكون «أزمة الثقة بالنفس».

Go to News Site