عكاظ عاجل
لم يعد العنف في العصر الحديث بكافة صوره مقتصرًا على ما يُمارس في الشارع أو داخل المدارس وأماكن العمل، بل امتد إلى فضاء جديد لا تحكمه حدود واضحة، والمقصود بذلك هو الفضاء الرقمي، ومع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي ظهر شكل مختلف من الإساءة يُعرف بالتنمر الرقمي، وهو سلوك عدواني يتخذ من الشاشات وسيلة لمضايقة الآخرين، لكنه يترك آثارًا نفسية سلبية قد تفوق في حدتها آثار التنمر التقليدي.التنمر الرقمي لا يقتصر على التعليقات الجارحة أو السخرية المباشرة، بل يشمل طيفًا واسعًا من الممارسات، مثل نشر الشائعات والتشهير بالبعض وانتهاك الخصوصية وقد يصل إلى الابتزاز، بل وحتى إنشاء حملات منظّمة للإساءة إلى شخص معيّن، وما يزيد من خطورة هذا النوع من التنمر أنه لا يتوقف عند لحظة أو مكان محدد، بل يلاحق الضحية في كل وقت، حيث تتحوّل الهواتف الذكية إلى مصدر دائم للضغط النفسي بدلًا من أن تكون وسيلة للتواصل والترفيه.أحد أبرز العوامل التي تغذي التنمر الرقمي هو الإحساس الزائف بالحصانة، فالمتنمر غالبًا ما يختبئ خلف اسم مستعار أو حساب وهمي، ما يمنحه شعورًا بالأمان ويدفعه إلى قول ما قد لا يجرؤ على قوله في الواقع، هذا «القناع الرقمي» يُضعف الإحساس بالمسؤولية، ويجعل البعض يتعامل مع الآخرين كأهداف وليسوا بشرًا لهم مشاعر وعليه أن يلتزم بحدود معينة عند تعامله معهم، وفي المقابل قد يجد الضحية نفسه مكشوفًا أمام جمهور واسع، حيث يمكن لتعليق مسيء واحد أن يتحوّل إلى موجة من التفاعل السلبي يصعب السيطرة عليها.الآثار النفسية للتنمر الرقمي عميقة ومتراكمة، خاصة لدى فئة الشباب، فالتعرّض المستمر للإساءة قد يؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس، والشعور بالعزلة والقلق والاكتئاب، كما أن بعض الضحايا قد يلجأون إلى الانسحاب الكامل من الحياة الاجتماعية، سواء الرقمية أو الواقعية خوفاً من الإيذاء، ما يعكس حجم المأساة التي قد تبدأ بكلمات عابرة على شاشة.ولا يمكن فصل ظاهرة التنمر الرقمي عن السياق الثقافي والاجتماعي الأوسع، فهذا السلوك يعكس في جانب منه ضعفًا في منظومة القيم الأخلاقية، وتراجع ثقافة الاختلاف وقبول الآخر، كما أن سعي البعض إلى تحقيق الشهرة السريعة أو جذب الانتباه قد يدفعهم إلى استخدام أساليب صادمة أو مسيئة، مستفيدين من طبيعة بعض المنصات التي تكافئ المحتوى المثير للجدل بمزيد من الانتشار.من جهة أخرى تحاول الشركات المالكة لهذه المنصات اتخاذ خطوات للحد من هذه الظاهرة، من خلال تطوير أدوات للإبلاغ عن الإساءة، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد المحتوى الضار، وفرض سياسات أكثر صرامة على المستخدمين المخالفين، إلا أن هذه الجهود -رغم أهميتها- لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها الحجم الهائل للمحتوى الرقمي نفسه وسرعة انتشاره.غير أنه لا يمكن أن تقتصر الحلول الفعّالة للتنمر الرقمي على الجانب التقني أو القانوني فقط، بل يجب أن تشمل أبعادًا تربوية وثقافية، فتعزيز الوعي الرقمي لدى الأفراد خاصة في سن مبكرة، يُعد خطوة أساسية في بناء بيئة إلكترونية أكثر أمانًا، كما أن تعليم مهارات التفكير النقدي واحترام الآخر وإدراك أثر الكلمات، يمكن أن يسهم في الحد من السلوكيات السلبية. كما أن دور الأسرة والمدرسة لا يقل أهمية من خلال متابعتهما لسلوك الأبناء على الإنترنت، وفتح قنوات حوار معهم، وتوعيتهم بمخاطر الاستخدام غير المسؤول للتكنولوجيا.في النهاية قد يبدو العالم الرقمي فضاءً افتراضيًا، لكن ما يحدث فيه حقيقي، والكلمات التي تُكتب على الشاشة قد تترك جروحًا لا تُرى، لكنها تُحس وتؤثر بعمق، وبينما يمنحنا هذا العالم أدوات هائلة للتواصل والتعبير، فإنه يضعنا أيضًا أمام مسؤولية أخلاقية كبيرة، لذا علينا أن ندرك أن خلف كل حساب إلكتروني إنسانًا يستحق الاحترام، فالفضاء الرقمي مساحة للتلاقي وبناء الجسور وليس ساحة مفتوحة للأذى.
Go to News Site