عكاظ عاجل
هناك أشياء صغيرة، وقد تكون غير مرئية في تفاصيل يومنا، لا ننتبه إلى أثرها ولا نراها إلا حالما تتغيّر، من بينها ذلك الصباح الذي يبدأ على عجل، والوقت الذي يضيع بين الدائري الثالث والرابع وإشارات المرور المزدحمة بألوان السيارات الصارخة والهادئة، والالتزامات اليومية التي تجعل كثيرين يشعرون أنهم يركضون طوال اليوم بشغفٍ منطفئ، دون أن يجدوا مساحة كافية لأنفسهم أو لأسرهم.ومع التحوّلات التي نشهدها اليوم في بيئات العمل، لم يعد النجاح مرتبطًا بعدد الساعات التي نقضيها خلف المكاتب، بقدر ما أصبح مرتبطًا بما نحققه من نتائج وأثر وجودة في الأداء والإبداع، وهنا تكمن أهمية الدوام المرن كأحد النماذج الحديثة التي تعكس فهمًا أكثر عمقًا لاحتياجات الإنسان ومتطلبات الحياة التي صارت أسرع من لمح البصر.فالدوام المرن لا يعني تقليل ساعات العمل أو التهاون في الإنجاز كما قد يعتقد البعض، بل يعني منح الموظف مساحة أكبر لإدارة وقته بطريقة أكثر كفاءة، بما يحقق مصلحة العمل من جهة، ويعزز جودة حياته من جهة أخرى. وحين يشعر الإنسان أن يومه أكثر توازنًا، وأنه قادر على أداء مسؤولياته المهنية دون أن يكون ذلك على حساب أسرته أو صحته أو حياته الشخصية، فإن ذلك ينعكس مباشرة على مستوى رضاه وإنتاجيته واستقراره النفسي.ولعل أكثر المستفيدين من هذا النموذج هي الأسرة، فوجود قدر من المرونة في أوقات العمل يمنح الآباء والأمهات فرصة أكبر للحضور في تفاصيل الحياة اليومية لأبنائهم، ومتابعة شؤونهم، والمشاركة في المناسبات الأسرية، بعيدًا عن الشعور الدائم بأن العمل يلتهم الوقت كله ويلتهم بيوتهم. وهذا الأمر أراه مكسبًا واستثمارًا مستقبليًا في الاستقرار الاجتماعي والترابط الأسري. كما يفتح الدوام المرن المجال أمام الأفراد للاهتمام بصحتهم، وممارسة الرياضة، وتطوير مهاراتهم، والاستفادة من أوقاتهم بصورة أفضل. وهي أمور قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تشكّل في مجموعها جوهر مفهوم جودة الحياة الذي تسعى إليه المجتمعات الحديثة.ومن زاوية أخرى، فإن المؤسسات نفسها ستستفيد من الدوام المرن، فالموظف في هذا «الجو» حتمًا سيشعر بالثقة والمرونة من قبل مؤسسته، وسيكون أكثر التزامًا وانتماءً وإبداعًا، كما تصبح الجهات أكثر قدرة على استقطاب الكفاءات والمحافظة عليها، ولهذا سيصبح الدوام المرن ميزة وظيفية، كما سيصبح أحد المؤشرات على تطور بيئات العمل ونضجها.كما أرى اليوم من المهم ألا تبقى هذه التجربة محصورة في مدينة الرياض أو في عدد محدود من الجهات، بل أن تمتد إلى مختلف مناطق المملكة ومدنها ومحافظاتها، وأن تشمل القطاعين الحكومي والخاص على حد سواء؛ ففوائد الدوام المرن لا ترتبط بمدينة دون أخرى، ولا بقطاع دون غيره، بل هي فرصة لتحسين جودة الحياة لملايين العاملين وأسرهم في مختلف أنحاء الوطن.كما أرى أنه آن الأوان أن نعيد النظر في الطريقة التي نقيس بها نجاح العمل؛ فالسؤال الأهم لم يعد: كم ساعة أمضى الموظف في مكتبه؟ بل ماذا أنجز؟ وما القيمة التي أضافها؟ فالمستقبل اليوم قصته قصة أثر وإنجاز.ختامًا.. هناك تغريدة لمعالي المستشار تركي آل الشيخ يقول فيها إن حكمته في الحياة أن يكون لاعبًا لا حكمًا؛ لأن الحكم يبحث عن الأخطاء، بينما اللاعب يسعى إلى تحقيق الأهداف. وهذه بالضبط هي قصة الدوام المرن: تحقيق الأهداف في الإنجاز من جهة، ودعم جودة الحياة للموظفين من جهة أخرى، بعيدًا عن زحمة الدائري الثالث!
Go to News Site