Collector
التقاليد والعادات وأثرها على المفاهيم | Collector
التقاليد والعادات وأثرها على المفاهيم
عكاظ عاجل

التقاليد والعادات وأثرها على المفاهيم

الوفاء من المفاهيم الإنسانية العظيمة. هذا المفهوم يتطور مع الزمن ويختلف من مجتمع إلى آخر متأثراً بالعادات والتقاليد والبيئة والمقدسات السائدة. ففي الهند قديماً، كانت الزوجة تدفن أو تحرق مع زوجها كشكل من أشكال الوفاء (ممارسة «الساتي»)، فلم يكن مفهوم الوفاء منفصلاً عن المقدس، ولا عن البيئة، ولا عن الذكورية التي تمنح الذكر حقوقاً تفوق الأنثى لمجرد كونه ذكراً. وقد تطور هذا المفهوم مع الأيام في بعض المجتمعات الهندية، وأصبحت «الساتي» اليوم جريمة نادرة ومجرمة قانوناً، مما يثبت أن الوفاء مفهوم متغيّر وقابل للتغيير بالإصلاح القانوني والتعليمي، وهذا يكشف نسبية الأخلاق الإنسانية. لكن من الضروري التفرقة بين جوهر الوفاء كقيمة نبيلة تقوم على الإخلاص والرعاية المتبادلة، وبين التقاليد التي قد تشوه هذا الجوهر عبر قولبة النساء في أشكال من التضحية الأحادية. وليس المثال الهندي بعيداً عنا، ففي مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ما يُسمى خطأً «جرائم الشرف» -أي قتل الأنثى لمجرد الشك في سلوكها- هو مثال صارخ آخر على كيف تؤثر التقاليد والمجتمع المتحيّز ذكرياً على القيم والمفاهيم السامية.الخطير أن هناك كثيراً من المفاهيم الخاطئة في مجتمعنا، حقيقتها بعيدة كل البعد عن القيم النبيلة والأخلاقية السامية، ويعود ذلك إلى نظرة المجتمع الخاطئة. جريمة قتل الأنثى مثلاً تطورت واتخذت أشكالاً متغيّرة، فصارت في حقيقتها وأداً أو قتلاً معنوياً، أقسى وأشد من القتل المادي. حتى أصبح في بعض المجتمعات المغلقة يُقال: «المرأة تخرج من بيتها مرتين؛ الأولى لبيت زوجها والثانية لقبرها».مثال «الساتي» في الهند يثبت أن القانون يستطيع أن يسبق الوعي الاجتماعي، لا أن يتبعه فقط. عندما جرّم البريطانيون هذه الممارسة ثم شدّدت الهند المستقلة العقوبات عليها، لم يتوقف الأمر بين ليلة وضحاها، لكن الرسالة أصبحت واضحة: المجتمع الرسمي يقف ضد هذا التقليد. في عالمنا العربي، قوانين الأحوال الشخصية التي منعت تزويج القاصرات أو جرّمت العنف الأسري (وإن كانت ناقصة) هي خطوات في الاتجاه الصحيح. القانون ولو تأخر يخلق فضاءً للضحية أن تنتصر، ولو بعد حين.السؤال الجوهري الذي يتبادر للذهن، كيف نقاوم هذه التشوهات بالإضافة للقانون؟أولاً: كشف الوهم. كثير من الممارسات القمعية تبقى مقدسة لأننا نخلط بين القديم والمقدس. المقاومة تبدأ بسؤال بسيط: هل هذا تقليد أم قيمة حقيقية؟ثانياً: التعليم. جيل جديد يتربى على أن قيمة الأنثى ليست في طاعتها بل في إنسانيتها. المدارس والمساجد تحتاج إلى مراجعة نقدية للأمثلة التي تقدمها.ثالثاً: توظيف المقدس ضد نفسه. في مجتمعاتنا المحافظة، الأصوات النسوية التي تقول: «أين الحديث النبوي عن حسن الخلق؟ وأين سؤال المرأة لعمر بن الخطاب؟» هي أقوى من خطاب المواجهة المباشر.رابعاً: الفن. مسلسل واحد أو فيلم يفضح مأساة «جرائم الشرف» يفعل ما لا تفعله مئات المحاضرات. الفن يخلق تعاطفاً جماهيرياً يصعب قمعه.خامساً: الاقتصاد. حين تملك المرأة قوت يومها، يصبح «العار» الاجتماعي أقل تكلفة عليها. المرأة التي تعول أبناءها تتغير نظرتها لنفسها أولاً، ثم لمجتمعها ثانياً.نخلص مما تقدم أن العادات والتقاليد والموروث لا يصح أن تظل تحكم مجتمعاتنا دون وعي أو إدراك. التغيير يتطلب منا عودة الوعي على كل الأصعدة لغدٍ مشرق مزدهر.

Go to News Site