Collector
اتفاقية التجارة الحرة الخليجية الأوروبية.. هل تقترب لحظة الحسم؟ | Collector
اتفاقية التجارة الحرة الخليجية الأوروبية..  هل تقترب لحظة الحسم؟
صحيفة البلاد البحرينية

اتفاقية التجارة الحرة الخليجية الأوروبية.. هل تقترب لحظة الحسم؟

165.7 مليار يورو حجم تجارة السلع بين الجانبين في 2025 70.7 % من صادرات الخليج إلى أوروبا منتجات طاقة ومعادن أكثر من 4 مليارات دولار حجم التجارة السلعية بين البحرين والاتحاد الأوروبي 69 % من صادرات البحرين إلى أوروبا تتركز في هولندا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا 540 مليون دولار صادرات البحرين إلى هولندا هولندا تستحوذ على 32.5 % من صادرات البحرين إلى الاتحاد الأوروبي عندما تعثرت مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي بالعام 2008، كان النفط يمثل محور العلاقة الاقتصادية بين الجانبين، أما اليوم، بعد أكثر من 18 عاما من الجمود، فقد تغيرت أولويات الطرفين بصورة جوهرية؛ فلم تعد المفاوضات تدور حول تجارة السلع فحسب ولكن أصبحت تشمل أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والاستثمار والتكنولوجيا والتحول الأخضر، وهي ملفات باتت تحتل موقعا متقدما في حسابات الاقتصاد العالمي وصياغة الشراكات الاقتصادية الدولية. فالعالم الذي تعثرت فيه المفاوضات قبل نحو عقدين لم يعد هو العالم نفسه اليوم؛ إذ لم تعد الاتفاقيات التجارية الحديثة تقتصر على خفض الرسوم الجمركية وفتح الأسواق، بل أصبحت جزءا من استراتيجيات أوسع لتعزيز الأمن الاقتصادي وتأمين الموارد الحيوية وجذب الاستثمارات وترسيخ النفوذ، في بيئة دولية تتزايد فيها المنافسة على التجارة والتكنولوجيا والطاقة. ويأتي هذا الزخم في وقت يشهد فيه العالم موجة جديدة من الاتفاقيات الاقتصادية الكبرى كان آخرها اتفاقية التجارة الحرة بين بريطانيا ودول مجلس التعاون في مايو 2026، فيما يواصل الاتحاد الأوروبي توسيع شبكة شراكاته الاقتصادية حول العالم كما عزز الاتحاد الأوروبي هذا التوجه عبر اعتماد تفويض رسمي للتفاوض مع دول الخليج في يوليو 2025، في إشارة واضحة إلى انتقال الملف من مرحلة الاهتمام السياسي إلى مسار تفاوضي مؤسسي. ومن هنا لم تعد المفاوضات تدور حول اتفاقية تجارة حرة بالمعنى التقليدي، بل حول بناء شراكة استراتيجية أوسع تشمل التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والأمن الاقتصادي، وهو ما يمنح قمة الرياض الخليجية الأوروبية المرتقبة أهمية استثنائية في مسار العلاقات بين الجانبين. ماذا سيكسب الخليج من الاتفاقية؟ إذا نجحت دول الخليج والاتحاد الأوروبي في التوصل إلى اتفاقية تجارة حرة فإن المكسب لن يقتصر على زيادة حجم التجارة الحالية، ولكن قد يمتد إلى إعادة تموضع الاقتصادات الخليجية داخل واحدة من أكبر الأسواق في العالم، ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ظل وصول حجم تجارة السلع بين الجانبين إلى نحو 165.7 مليار يورو في العام 2025، فيما تجاوزت تجارة الخدمات 84 مليار يورو؛ ما يعني أن الاتفاقية ستبنى على علاقة اقتصادية قائمة بالفعل وليست ناشئة من الصفر. وتكشف هيكلية التبادل التجاري الحالية عن طبيعة العلاقة الاقتصادية بين الجانبين؛ فبحسب بيانات المفوضية الأوروبية شكلت المنتجات المعدنية والطاقة نحو 70.7 % من إجمالي صادرات دول مجلس التعاون إلى الاتحاد الأوروبي في العام 2025، فيما استحوذت المعادن الأساسية ومنتجاتها على نحو 8.4 %، وفي المقابل جاءت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى دول الخليج أكثر تنوعا؛ إذ تصدرت الآلات والمعدات بنسبة 29.2 %، تلتها معدات النقل بنسبة 16.5 %، ثم المنتجات الكيميائية بنسبة 14.6 %، وتعكس هذه التركيبة استمرار أهمية الطاقة في الصادرات الخليجية من جهة، كما تبرز في الوقت ذاته الفرص التي تتيحها الاتفاقية لتعزيز الصادرات الصناعية غير النفطية وزيادة نقل التكنولوجيا والخبرات الأوروبية إلى اقتصادات المنطقة من جهة أخرى. وتشير التجارب الدولية إلى أن الاتفاقيات التجارية قادرة على إحداث تغيرات ملموسة في حركة التجارة والاستثمار؛ فعلى سبيل المثال تتوقع الحكومة البريطانية أن تؤدي اتفاقية التجارة الحرة الأخيرة مع دول الخليج إلى زيادة التجارة الثنائية بنحو 19.8 % على المدى الطويل، مقارنة بالسيناريو القائم دون اتفاقية، وإذا تحقق أثر مشابه بين الخليج والاتحاد الأوروبي فإن ذلك قد يعني إضافة عشرات المليارات إلى حجم التبادل التجاري بين الجانبين في السنوات المقبلة. ولا يتعلق الأمر بحجم التجارة فقط ولكن بطبيعتها أيضا؛ فالاقتصادات الخليجية تسعى إلى زيادة مساهمة الصادرات غير النفطية في النمو الاقتصادي، وهو ما يجعل السوق الأوروبية التي تضم أكثر من 440 مليون مستهلك فرصة استراتيجية للصناعات الخليجية التي شهدت تطورا كبيرا في العقدين الماضيين، سواء في المعادن والبتروكيماويات أو الصناعات التحويلية المتقدمة، كما قد تساهم الاتفاقية في جذب استثمارات أوروبية نوعية إلى المنطقة خصوصا أن حجم الاستثمارات المتبادلة بين الجانبين يقترب من 353 مليار يورو. وبالتالي فإن المكسب الحقيقي للخليج قد لا يقاس فقط بارتفاع الصادرات أو الاستثمارات، بل بمدى قدرة الاتفاقية على تسريع التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعا وتنافسية في مرحلة تشهد تغيرات متسارعة بالاقتصاد العالمي. لماذا تحتاج أوروبا الخليج أكثر من أي وقت مضى؟ لم يعد اهتمام أوروبا بالخليج قائما على معادلة تقليدية عنوانها الطاقة مقابل السلع، بل أصبح جزءا من رؤية أوسع ترتبط بما تسميه بروكسل الأمن الاقتصادي؛ فمنذ الحرب الروسية الأوكرانية أدرك الاتحاد الأوروبي أن الاعتماد المفرط على موردين محددين أو مسارات تجارية محددة يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية؛ الأمر الذي دفعه إلى البحث عن شراكات أكثر تنوعا واستقرارا. وتبرز دول الخليج في هذا السياق كونها شريكا يصعب تجاوزه؛ فالمنطقة تمتلك نحو 30 % من احتياطيات النفط العالمية، ونحو 20 % من احتياطيات الغاز الطبيعي، كما تقع عند تقاطع طرق التجارة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، ويمر عبر مضيق هرمز وحده ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية؛ ما يجعل أمن الخليج جزءا من أمن الطاقة وسلاسل الإمداد بالنسبة للاقتصادات الأوروبية. كما تنظر أوروبا إلى الخليج بوصفه شريكا مهما في مرحلة التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون، ومصدرا لرؤوس الأموال طويلة الأجل عبر الصناديق السيادية التي تدير أصولا تتجاوز أربعة تريليونات دولار. وفي الوقت نفسه تسعى بروكسل إلى الحفاظ على موقعها الاقتصادي داخل المنطقة في ظل اتساع شبكة الشراكات التجارية الخليجية مع قوى اقتصادية أخرى مثل بريطانيا والصين وتركيا. ومن هنا فإن إحياء اتفاقية التجارة الحرة لا يعكس رغبة أوروبية في زيادة الصادرات فحسب، ولكن يعبر عن حاجة أعمق إلى بناء علاقة أكثر رسوخا مع منطقة أصبحت تمثل عنصرا مهما في معادلة الأمن الاقتصادي الأوروبي. البحرين والفرص المحتملة من الاتفاقية بالنسبة للبحرين لا تنحصر أهمية الاتفاقية في زيادة التبادل التجاري فقط، ولكن في قدرتها على تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني في مرحلة تتسارع فيها التحولات الاقتصادية العالمية؛ فالمملكة تمتلك اقتصادا متنوعا نسبيا مقارنة بالعديد من الاقتصادات المعتمدة على الموارد الطبيعية، إذ تسهم الأنشطة غير النفطية بأكثر من 85 % من الناتج المحلي الإجمالي. وتعد أوروبا بالفعل شريكا تجاريا مهما للبحرين، فبحسب بيانات التجارة الدولية يقدر حجم التجارة السلعية بين البحرين والاتحاد الأوروبي بأكثر من أربعة مليارات دولار سنويا، كما تظهر بيانات الصادرات أن المملكة تمتلك حضورا راسخا في عدد من أكبر الاقتصادات الأوروبية، إذ استحوذت هولندا وحدها على نحو 540 مليون دولار من الصادرات البحرينية بما يعادل نحو 32.5 % من إجمالي صادرات المملكة إلى الاتحاد الأوروبي، تلتها إيطاليا بقيمة 255 مليون دولار، ثم إسبانيا بنحو 209 ملايين دولار، وألمانيا بنحو 150 مليون دولار. وتشير هذه الأرقام إلى أن نحو 69 % من صادرات البحرين إلى الاتحاد الأوروبي تتركز في أربع دول فقط هي هولندا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا، وهو ما يعكس وجود قاعدة تجارية قائمة يمكن البناء عليها في حال التوصل إلى اتفاقية تجارة حرة بين الجانبين. كما تكشف خريطة الصادرات عن أن المنتجات البحرينية تتجه بصورة رئيسة إلى اقتصادات صناعية كبرى، وهو ما يتسق مع طبيعة الصادرات التي تتركز في الألمنيوم والمنتجات الصناعية والبتروكيماوية، ويعني ذلك أن أي خفض للعوائق التجارية أو التنظيمية قد يعزز اندماج الشركات البحرينية بصورة أعمق في سلاسل القيمة الصناعية الأوروبية. ويكتسب موقع هولندا أهمية خاصة ليس فقط بسبب حجم وارداتها من البحرين، ولكن أيضا بسبب الدور المحوري الذي يؤديه ميناء روتردام كونه أحد أكبر المراكز اللوجستية في أوروبا؛ ما يجعل السوق الهولندية بوابة استراتيجية لدخول المنتجات البحرينية إلى أسواق أوروبية أخرى. وتبرز صناعة الألمنيوم في مقدمة القطاعات المرشحة للاستفادة من الاتفاقية؛ فشركة “البا” تنتج أكثر من 1.6 مليون طن سنويا من الألمنيوم؛ ما يجعلها أكبر مصاهر الألمنيوم في العالم خارج الصين، كما عززت الشركة حضورها الأوروبي عبر استحواذها على شركة ألمنيوم دونكيرك الفرنسية في صفقة بلغت نحو 2.2 مليار دولار، وهو ما يمنح البحرين موقعا متقدما داخل صناعة الألمنيوم الأوروبية. وفي المقابل، تمثل آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM) تحديا وفرصة في الوقت ذاته؛ فالصادرات البحرينية المشمولة بالآلية تقدر بنحو 1.3 مليار دولار فيما يمثل الألمنيوم نحو 99 % منها، وإذا نجحت الشركات البحرينية في تعزيز إنتاج المعادن منخفضة الكربون فقد تتحول هذه المتطلبات البيئية إلى ميزة تنافسية داخل السوق الأوروبية. كما يمكن أن تستفيد البحرين من الاتفاقية عبر قطاع الخدمات المالية الذي يضم أكثر من 374 مؤسسة مالية ومصرفية وشركات تأمين واستثمار، إضافة إلى القطاع اللوجستي، وتأتي هذه الفرص في وقت تتزايد فيه أهمية مشاريع الربط التجاري الكبرى، مثل الممر الاقتصادي الهندي شرق الأوسطي الأوروبي (IMEC)، الذي قد يعزز أهمية المراكز اللوجستية الخليجية في حركة التجارة المستقبلية بين آسيا وأوروبا. ومن زاوية الاستثمار قد تساهم الاتفاقية في تعزيز جاذبية البحرين للمستثمرين الأوروبيين الباحثين عن قاعدة للوصول إلى الأسواق الخليجية، خصوصا في قطاعات الصناعة المتقدمة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي. هل تكفي المصالح الاقتصادية لتجاوز عقبات الماضي؟ على الرغم من الزخم الذي يحيط بإمكان إحياء الاتفاقية، فإن الطريق نحو التوقيع النهائي لا يزال يواجه تحديات حقيقية؛ فمنذ توقف المفاوضات بالعام 2008 شهد الاتحاد الأوروبي تحولا كبيرا في سياساته التجارية، إذ أصبحت الاعتبارات البيئية والاستدامة جزءا أساسيا من الاتفاقيات الحديثة. ولا تقتصر التحديات على آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية، بل تمتد إلى التشريعات الأوروبية الجديدة المتعلقة بالإفصاح والاستدامة والمسؤولية البيئية للشركات، التي ترى بعض دول الخليج أنها قد تفرض أعباء تنظيمية إضافية على شركاتها العاملة في السوق الأوروبية. كما تختلف أولويات الطرفين في بعض الملفات؛ فبينما يركز الاتحاد الأوروبي بصورة متزايدة على الاستدامة والاقتصاد الرقمي والحوكمة، تسعى دول الخليج إلى تعزيز النفاذ إلى الأسواق وجذب الاستثمارات وتسريع برامج التنويع الاقتصادي. وفي هذا السياق، بدأ يظهر توجه نحو اتفاقيات قطاعية متخصصة في مجالات مثل الطاقة المتجددة والتجارة الرقمية وسلاسل الإمداد، بما يسمح بتحقيق تقدم تدريجي حتى في حال تعثر التوصل إلى اتفاق شامل يغطي جميع الملفات دفعة واحدة. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على انطلاق المفاوضات، وأكثر من 18 عاما على تجميدها، تبدو اتفاقية التجارة الحرة الخليجية الأوروبية أقرب اليوم إلى الواقع مما كانت عليه في أي وقت مضى، غير أن أهميتها لا تكمن فقط في إزالة الحواجز التجارية، بل في كونها تعكس تحولا أوسع في طبيعة العلاقة بين الجانبين. ففي الماضي كانت الطاقة تمثل جوهر العلاقة الخليجية الأوروبية، أما اليوم فأصبحت ملفات الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة النظيفة وسلاسل الإمداد والأمن الاقتصادي تحتل موقعا متقدما في أجندة الطرفين، ولذلك فإن السؤال لم يعد ما إذا كان الجانبان سيستفيدان من الاتفاقية، بل ما إذا كانا مستعدين لاستثمار هذه اللحظة وتحويل المصالح المشتركة إلى شراكة استراتيجية طويلة الأجل. وإذا نجحت قمة الرياض في تقريب وجهات النظر بين الجانبين فقد لا يكون الإنجاز الحقيقي هو توقيع اتفاقية تجارة حرة فحسب، ولكن تأسيس شراكة اقتصادية واستراتيجية جديدة تعكس التحول الذي شهده الخليج من مصدر للطاقة إلى لاعب مؤثر في معادلات التجارة والاستثمار والأمن الاقتصادي العالمي.

Go to News Site