Collector
حين يسبق العقلُ الحرب: قراءة في دراسة مبكرة عن عالم المسيّرات | Collector
حين يسبق العقلُ الحرب: قراءة في دراسة مبكرة عن عالم المسيّرات
jo24.net

حين يسبق العقلُ الحرب: قراءة في دراسة مبكرة عن عالم المسيّرات

كتب - زياد فرحان المجالي ليست قيمة الدراسات الاستراتيجية في أنها تصف ما وقع فقط، بل في قدرتها على التقاط ما لم يقع بعد. وفي هذا المعنى تحديدًا، توقفت طويلًا أمام رسالة وصلتني من صديق مبدع، أخبرني فيها أنه أعدّ قبل نحو سنتين ونصف دراسة حول المحلّقات والطائرات المسيّرة، في إطار عمل بحثي لجهة شبه رسمية. للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر مجرد جهد تقني أو أرشيفي عن تاريخ الطيران غير المأهول، لكن قراءة متأنية للنص تكشف أن صاحبه لم يكن يؤرخ للماضي بقدر ما كان يفتح نافذة مبكرة على مستقبل الحروب. تبدأ الدراسة من البدايات الأولى لفكرة الطيران غير المأهول، من الصين القديمة، مرورًا بالبالونات والطائرات الموجهة في الحروب العالمية، وصولًا إلى التجارب الإسرائيلية بعد حرب 1973 والحرب اللبنانية. غير أن الأهم لا يكمن في هذا التسلسل التاريخي وحده، بل في النقطة التي يصل إليها البحث حين ينتقل من المسيّرة بوصفها أداة استطلاع أو مراقبة إلى المسيّرة بوصفها عقلًا حربيًا جديدًا، قادرًا على تغيير شكل المعركة كلها. ما لفتني في هذه الدراسة، وخصوصًا في المقاطع التي جرى تمييزها بالأحمر، أنها التقطت مبكرًا فكرة "قفير النحل” أو أسراب المسيّرات. هنا لا نتحدث عن طائرة واحدة تُطلق نحو هدف واحد، بل عن عشرات أو مئات المحلّقات الصغيرة التي تعمل كمنظومة واحدة؛ تتوزع، تتواصل، تهاجم، وتربك أنظمة دفاعية بُنيت أصلًا لمواجهة الطائرات والصواريخ التقليدية. وهذا بالضبط ما بدأت الحروب الحديثة تكشفه لاحقًا في أوكرانيا وغزة ولبنان والبحر الأحمر، حيث لم تعد الكلفة وحدها معيار القوة، بل القدرة على الإغراق والمناورة والاستنزاف. صديقي في هذه الدراسة لم يكن يكتب عن سلاح فحسب، بل عن فلسفة حرب جديدة. فالعالم كان ينتقل، بصمت، من زمن المنصة العسكرية الثقيلة إلى زمن الكتلة الذكية؛ من الطائرة المقاتلة التي تكلف عشرات الملايين إلى المسيّرة الصغيرة التي قد تكلف القليل، لكنها تفرض على الخصم إنفاق أضعاف قيمتها لاعتراضها. هنا يصبح السؤال العسكري سؤالًا اقتصاديًا أيضًا: من يستنزف من؟ ومن يملك القدرة على إنتاج العدد الأكبر، والقرار الأسرع، والخوارزمية الأذكى؟ لكن أهمية الدراسة لا تقف عند حدود الحرب. فهي تفتح أيضًا سؤالًا أخلاقيًا عميقًا: إلى أين يذهب العالم حين تتحول التكنولوجيا التي يمكن أن تخدم الإنسان في الزراعة والإنقاذ والإطفاء والطب ونقل الأدوية إلى أداة للقتل والملاحقة وتوسيع دائرة الخطر؟ المشكلة ليست في المسيّرة ذاتها، بل في العقل الذي يقرر استخدامها. فالآلة يمكن أن تحمل دواءً إلى قرية بعيدة، ويمكن أن تحمل عبوة إلى مدينة مأهولة. يمكن أن تنقذ غريقًا، ويمكن أن تطارد إنسانًا. وهنا يصبح التقدم العلمي ساحة صراع بين خدمة المجتمع وتدمير المجتمع. وهنا لا يصبح الحديث عن المسيّرات احتفاءً بالسلاح، بل تنبيهًا إلى أن العقل العلمي، إن لم تضبطه الأخلاق، قد يتحول من خدمة الإنسان إلى تهديده. فكل اختراع كبير يحمل في داخله احتمالين متناقضين: أن يكون أداة بناء، أو أن يصبح وسيلة خراب. والمسيّرات هي واحدة من أوضح صور هذا التناقض في زمننا الراهن. لذلك أرى أن هذه الدراسة لم تكن مجرد قراءة تقنية، بل كانت إنذارًا مبكرًا. لقد رأت أن العالم مقبل على مرحلة تصبح فيها الحرب أقل احتكارًا للجيوش الكبرى، وأكثر انفتاحًا على الفاعلين الصغار، والدول المتوسطة، وحتى المجموعات المسلحة. وهذا أخطر ما في الأمر: أن التكنولوجيا حين تصبح رخيصة، صغيرة، وذكية، فإنها تكسر احتكار القوة، لكنها في الوقت نفسه توسع دائرة الخطر. من حق صاحب هذه الدراسة أن يشار إلى دوره لا بوصفه من تنبأ بالغيب، بل بوصفه عقلًا قرأ الاتجاه قبل أن يتحول إلى واقع يومي. لقد صدقت الرؤية لأن صاحبها لم يكتف بملاحقة الأخبار، بل نظر إلى ما تحت الأخبار: إلى مسار التكنولوجيا، وإلى منطق الجيوش، وإلى العلاقة الجديدة بين الكلفة والذكاء والعدد. اليوم، ونحن نرى المسيّرات تغيّر وجه المعارك، يتأكد أن بعض العقول تسبق زمنها لأنها لا تنظر إلى السلاح كما هو، بل كما يمكن أن يصبح. وهذه بالضبط قيمة الدراسة: أنها قالت مبكرًا إن الحرب المقبلة لن تكون فقط حرب الطائرة الأقوى أو الصاروخ الأسرع، بل حرب السرب الأكبر، والخوارزمية الأذكى، والإنسان الذي لم يحسم بعد هل يريد للتكنولوجيا أن تبني المستقبل أم أن تحرقه. .

Go to News Site