Shafaq News
تصاعد الجدل في العاصمة بغداد حول نظام الغرامات المرورية الالكترونية وسط اتهامات شعبية بانه تحول من اداة لضبط الحركة المرورية الى عبء مالي ثقيل ينهك المواطنين خصوصا ذوي الدخل المحدود من موظفين ومتقاعدين واصحاب الاعمال البسيطة في ظل توسع الاعتماد على الرصد الالي والكاميرات وغياب التوازن بين التطبيق والواقع الخدمي للطرق. ورغم ان الهدف المعلن من هذا النظام يتمثل في فرض الانضباط المروري والحد من الحوادث الا ان واقع التطبيق يكشف فجوة واضحة بين التشريع وبين البيئة المرورية نفسها اذ ما تزال شوارع بغداد تعاني من اختناقات مزمنة وضعف في التخطيط وتفاوت في توزيع الاشارات والمطبات ما يجعل الالتزام الكامل بالقواعد المرورية في بعض المناطق امرا صعبا او شبه مثقل بالاحتمالات. وفي هذا السياق يثير مواطنون ومختصون تساؤلات حول دقة انظمة الكاميرات والرادارات المستخدمة في رصد المخالفات وامكانية وقوع اخطاء في تسجيل الغرامات مستشهدين بما حصل في محافظة كربلاء حيث دفع الجدل حول دقة الرصد مجلس المحافظة الى اتخاذ قرار بايقاف العمل بهذا النظام في جميع مناطق المحافظة بعد تسجيل حالات وصفت بالاخطاء الكارثية الامر الذي اعاد فتح النقاش حول صحة جميع الغرامات المسجلة منذ بدء تطبيق النظام. المشكلة لا تقف عند حدود صرامة القانون بل تمتد الى الية تطبيقه حيث يشير مواطنون الى ان الغرامات تسجل بشكل متكرر دون انذار مسبق او تدرج في العقوبة وهو ما خلق شعورا عاما بان النظام يعتمد على الردع المالي المباشر اكثر من كونه منظومة اصلاح سلوكي تدريجي وفي ظل غياب توضيح كاف لمواقع الرصد او معايير احتساب بعض المخالفات تتسع فجوة الثقة بين المواطن والجهة المنفذة. من الناحية التشريعية يطرح مختصون في الشان المروري اشكالية اعمق تتعلق بغياب المواءمة بين القانون والواقع الميداني اذ ان تطبيق اي منظومة الكترونية صارمة يفترض مسبقا وجود بنية تحتية مرورية مكتملة من شوارع منظمة واشارات واضحة ومسارات محسوبة وهو ما لا يزال غير متحقق بالشكل الكافي في عدد كبير من مناطق بغداد وعليه فان تحويل النظام الى تطبيق صارم دون معالجة هذه الاختلالات يخلق ضغطا غير متوازن على السائقين. الاثر الاجتماعي لهذا الملف بدا يظهر بشكل واضح حيث باتت الغرامات تتراكم على بعض الاسر بشكل يثقل كاهلها خاصة في حال تعدد المخالفات خلال فترات قصيرة ما دفع البعض الى وصفها بانها اصبحت عبئا ماليا اضافيا لا يراعي القدرة الاقتصادية للمواطن في وقت تعاني فيه شرائح واسعة اصلا من ضغوط معيشية. في المقابل لا يمكن تجاهل ان الانظمة المرورية الصارمة موجودة في معظم دول العالم لكنها عادة ما ترتبط بحزمة متكاملة تشمل بنية تحتية حديثة وتوعية مرورية مستمرة وتدرج في العقوبات اضافة الى شفافية كاملة في عرض المخالفات ومواقع الرصد وهو ما يفتح الباب امام مقارنة ضرورية مع الواقع المحلي حيث يبدو ان جزءا من هذه المنظومة ما زال غير مكتمل. اذا فالحل لا يكمن في الغاء النظام او التخفيف العشوائي من صرامته بل في اعادة هندسة العلاقة بين القانون والتطبيق اولا عبر مراجعة سلم الغرامات بما يراعي طبيعة المخالفة وخطورتها وليس مجرد تكرارها الالي ثانيا عبر ادخال مبدأ الانذار او التدرج في بعض المخالفات غير الخطرة بما يمنح السائق فرصة لتصحيح سلوكه قبل العقوبة المالية وثالثا عبر تحسين البنية المرورية نفسها من اشارات ومطبات وتنظيم شوارع بحيث يصبح الالتزام بالقانون نتيجة طبيعية للبيئة لا عبئا مفروضا على المواطن. كما ان تعزيز الشفافية في مواقع الرصد والية تسجيل المخالفات واطلاق حملات توعية مرورية جادة يمكن ان يخفف من حالة الاحتقان الشعبي تجاه هذا الملف ويعيد بناء الثقة بين المواطن والنظام المروري. في المحصلة يبقى ملف الغرامات المرورية في بغداد اختبارا حقيقيا لقدرة التشريع على التوازن بين فرض النظام وضمان العدالة فالقانون حين يفقد حس الواقع يتحول من اداة تنظيم الى عبء وحين يغيب التخطيط تصبح التقنية وحدها غير كافية لانصاف الشارع.
Go to News Site