Collector
"نيفو".. عندما أراد بن غوريون ابتلاع الليطاني وسيناء وباشان | Collector
jo24.net

"نيفو".. عندما أراد بن غوريون ابتلاع الليطاني وسيناء وباشان

في عام 1954، أي قبل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، أعدّ قسم التخطيط في هيئة أركان "الجيش" الإسرائيلي دراسة حملت اسم "نيفو" (Nevo). لم تكن الدراسة خطة عملياتية جاهزة للتنفيذ، بل محاولة لرسم ما اعتبره معدّوها "الحدود المثالية" لدولة "إسرائيل" من منظور أمني واقتصادي وديموغرافي. أهمية هذه الدراسة لا تكمن فقط في مضمونها، بل في توقيتها. فقد كُتبت في مرحلة كانت "إسرائيل" لا تزال محصورة ضمن حدود الهدنة المرسومة بعد نكبة 1948، وقبل احتلال الضفة الغربية والجولان وسيناء وغزة. ومع ذلك، كانت المؤسسة العسكرية تناقش بالفعل إمكان توسيع الحدود، وتعتبرها غير كافية لبقاء الدولة على المدى البعيد. وقد أعاد المؤرخ الإسرائيلي توم سيغيف إحياء هذه الوثيقة في كتابه "دولة بأي ثمن: حياة دافيد بن غوريون"، مستندا إلى وثائق أرشيفية إسرائيلية. اليوم، وبعد مرور 72 عاما، نرى إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو تسعى إلى تطبيق جزء من هذه الدراسة التي حلم بها بن غوريون، فما هي "نيفو"؟ الاسم ليس عشوائيا. "نيفو" هو اللفظ العبري لجبل نبو الواقع شرقي نهر الأردن. ويحمل الجبل مكانة دينية خاصة في التراث اليهودي والمسيحي والإسلامي، إذ تروي النصوص التوراتية أن النبي موسى وقف على قمته وشاهد "أرض الميعاد" التي توفي قبل أن يدخلها. ولذلك ارتبط اسم الجبل في الوعي اليهودي بفكرة النظر إلى الأرض الموعودة من بعيد والسعي للوصول إليها. اختيار هذا الاسم لدراسة تتناول الحدود المستقبلية لـ"إسرائيل" لم يكن بلا دلالة. فالدراسة لم تكتفِ بالنظر إلى الواقع القائم الذي كانت تعيشه "إسرائيل"، بل حاولت استشراف ما اعتبره واضعوها المجال والحدود الحيوية التي ينبغي أن تصل إليها الدولة العبرية في المستقبل. ومن هنا تبدو رمزية الاسم لافتة؛ فكما وقف موسى على جبل نبو متطلعًا إلى الأرض التي لم يدخلها، كان حال مخططي الجيش الإسرائيلي في سعيهم إلى تأمين حدود دولتهم. كيف وُضعت الدراسة؟ كان "العجوز" دافيد بن غوريون قد استقال مؤقتًا من رئاسة الحكومة عام 1953 وانتقل إلى مستوطنة "سديه بوكير" في النقب، لكنه ظل الشخصية الأكثر تأثيرًا في الدولة. وعندما عاد إلى الحكم عام 1955 كان مقتنعا بأن "إسرائيل" تواجه مشكلة استراتيجية أساسية: حدودا ضيقة، وسكانا قليلين، وعمقا جغرافيا محدودا، وعربا كثرا، ومحيطا عدائيا. لذلك، وبحسب كتاب توم سيغيف "دولة بأي ثمن"، ظلّ بن غوريون ينظر إلى حدود الهدنة باعتبارها مؤقتة وغير مثالية من الناحية الأمنية، وأن أفضل حدود يمكن لـ"إسرائيل" أن تحصل عليها لحمايتها من الجيوش العربية هي الحدود الطبيعية التي تشكل خط دفاعها الأول. في هذا السياق جاءت دراسة "نيفو. ووفق ما أورده سيغيف، فإن قسم التخطيط في هيئة الأركان ناقش الحاجة إلى توسيع "الخط الأخضر" لأسباب اقتصادية واجتماعية وديموغرافية، وطرح عدة بدائل لتحقيق ذلك. أول هذه السيناريوهات كان التوجه جنوبًا نحو سيناء. فشبه الجزيرة كانت تُنظر إليها بوصفها عمقًا استراتيجيًا طبيعيًا يفصل "إسرائيل" عن مصر، القوة العربية الأكبر آنذاك. وهو ما تحقق بعد عامين فقط من إعداد الدراسة، إذ شاركت "إسرائيل" في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 واحتلت سيناء لفترة قصيرة قبل الانسحاب تحت ضغط دولي، ثم عادت واحتلتها مرة أخرى عام 1967. أما السيناريو الثاني فكان مرتبطًا بالأردن. فقد ناقشت الدراسة إمكان نقل الحدود إلى شرق نهر الأردن أو تعديلها بطريقة تمنح "إسرائيل" عمقًا أكبر من الحدود القائمة آنذاك. واقترح بن غوريون على المخططين تقسيم الأردن إلى جزأين؛ الأول تأخذه العراق، والثاني "إسرائيل"، على أن تنقل سكان الضفة الغربية إليه، ويمنعهم نهر الأردن من العودة، ويكون هو الحد الأمني الطبيعي للدولة اليهودية. كما تناولت الدراسة احتلال مناطق في جنوب سوريا، ولا سيما المرتفعات المشرفة على الجليل. وقد اكتسب هذا البعد أهمية أكبر بعد حرب 1967 عندما احتلت "إسرائيل" هضبة الجولان التي كانت تمنح الجيش السوري تفوقًا جغرافيًا واضحًا على شمال فلسطين المحتلة. واقترحت الدراسة احتلال جبل الشيخ والجولان وسهل حوران وجبل الدروز في سوريا ضمن ما يعرف، بحسب اللغة التوراتية، بـ"جبل باشان". ومن سخرية القدر أن "إسرائيل" حققت اليوم جزءًا من هذه الخطة. لكن الجزء الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة إلى لبنان يتعلق بالإشارات إلى الجنوب اللبناني ونهر الليطاني. تشير المعطيات المتوافرة عن الدراسة إلى أنها نظرت إلى منطقة الليطاني باعتبارها حدًا أمنيًا ومائيًا أفضل من الحدود الدولية القائمة. في الواقع، لم تكن هذه الفكرة وليدة الخمسينيات. فمنذ بدايات الحركة الصهيونية ظهرت مطالب مرتبطة بمياه الليطاني وبضم مناطق جنوبية من لبنان إلى الكيان اليهودي المقترح. وكان قادة صهاينة عدة يرون أن موارد المياه في فلسطين غير كافية، وأن الليطاني يشكل موردًا استراتيجيًا بالغ الأهمية. لذلك فإن إدراج جنوب لبنان ضمن السيناريوهات التي ناقشتها دراسة "نيفو" يعكس استمرار هذا التفكير القديم داخل المؤسسة الإسرائيلية. واللافت أن كثيرًا من السياسات الإسرائيلية اللاحقة بدت وكأنها تتحرك ضمن الإطار نفسه. فمن عملية الليطاني عام 1978 إلى إنشاء الشريط الحدودي المحتل، ثم احتلال أجزاء واسعة من الجنوب عام 1982، ظل نهر الليطاني حاضرًا في الأدبيات الأمنية الإسرائيلية بوصفه خطًا دفاعيًا مفضلًا، وهو ما نعيشه اليوم في عام 2026. هل كانت الدراسة خطة للتوسع؟ هنا يجب التمييز بين أمرين. فالدراسة لم تكن قرارًا حكوميًا ولا خطة حرب جاهزة. كما لا يوجد دليل على أن "إسرائيل" اعتمدتها رسميًا باعتبارها برنامجًا سياسيًا ملزمًا. لكن أهميتها تكمن في أنها تكشف طبيعة النقاشات التي كانت تدور داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في منتصف الخمسينيات. فبدل النظر إلى حدود الدولة باعتبارها نهائية، تعاملت الدراسة معها باعتبارها قابلة للتغيير والتوسع إذا سمحت الظروف السياسية والعسكرية. ولهذا السبب تحظى الوثيقة باهتمام خاص لدى المؤرخين. فهي تقدم دليلًا على أن فكرة البحث عن "حدود أفضل" لم تظهر بعد حرب 1967 فقط، بل كانت مطروحة في دوائر التخطيط العسكري قبل ذلك بسنوات طويلة. أما أكثر ما يلفت النظر في قصة الدراسة فهو اسمها نفسه. فبينما كان موسى، بحسب الرواية الدينية، يقف على جبل نبو متطلعًا إلى الأرض التي لم يدخلها، كان ضباط قسم التخطيط في الجيش الإسرائيلي يرسمون خرائط لأراضٍ تقع خارج حدود دولتهم الفعلية. ولعل هذه المفارقة تختصر جوهر الوثيقة. فهي ليست مجرد دراسة عسكرية عن الحدود، بل نافذة على عقل استراتيجي كان يرى أن حدود عام 1948 ليست نهاية الطريق. وحتى يومنا هذا لا تزال هذه العقلية موجودة، إذ لم تعترف "إسرائيل" حتى الآن بحدود نهائية لها. ومن سيناء إلى الجولان، ومن شرق الأردن إلى الليطاني، حاولت "نيفو" أن تتخيل "إسرائيل" أكبر من تلك التي كانت موجودة على الأرض. وفي يومنا هذا، يسعى نتنياهو إلى تحقيق حلم لم يستطع "والد إسرائيل" تحقيقه: احتلال "باشان" والليطاني. .

Go to News Site