Collector
Giriş Yap
يوم الجيش العربي الأردني: حين يصبح الوطن إرثاً في العائلة | Collector
يوم الجيش العربي الأردني: حين يصبح الوطن إرثاً في العائلة

يوم الجيش العربي الأردني: حين يصبح الوطن إرثاً في العائلة

في يوم الجيش العربي الأردني، لا أقف أمام مناسبة وطنية عامة فحسب، بل أمام ذاكرة شخصية عميقة، وأمام إرث عائلي يحمل في داخله معنى الانتماء الأول. فهذه المناسبة تعني لي الكثير، لأن والدي المرحوم كان من المؤسسين الأوائل، وقد حمل الرقم العسكري 697، وانضم إلى الجيش العربي في بداية الأربعينات من القرن الماضي، يوم كانت الدولة في طور التكوين، وكان الرجال لا يبحثون عن الامتياز، بل عن شرف الخدمة. لذلك، حين أسمع عبارة "يوم الجيش”، لا أراها عنواناً في تقويم المناسبات، بل أراها وجهاً من وجوه أبي، وامتداداً لصوت جيل حمل الأردن في قلبه قبل أن تحمله الخرائط. كان ذلك الجيل يعرف أن الوطن لا يولد كاملاً، بل يُبنى بالصبر، ويُحمى بالإيمان، ويكبر على أكتاف رجال آمنوا أن الجندية ليست وظيفة، بل عهد بين الإنسان وأرضه وضميره. الجيش العربي الأردني ليس حكاية بندقية فقط، بل حكاية ضمير وطني تشكّل مع الدولة، وكبر معها، وحمل قلقها وأحلامها في زمن لم تكن فيه المنطقة تعرف الاستقرار. لم يكن الجيش في وجدان الأردنيين مؤسسة بعيدة خلف الأسوار، بل كان قريباً من الناس، ابن بيوتهم، ورفيق خبزهم، وامتداداً لصبرهم. فالجندي الأردني لا يأتي من فراغ؛ إنه ابن أم ودّعته بالدعاء، وأب علّمه أن الشرف لا يُقال بل يُعاش. في العاشر من حزيران، يتجدد المعنى لا الاحتفال فقط. فهذا اليوم يذكّرنا بأن القوة حين تنفصل عن الحكمة تصبح خوفاً، أما حين تقترن بالأخلاق تصبح أماناً. والجيوش العظيمة لا تُقاس بما تملك من سلاح فحسب، بل بما تمنع من انهيار، وبما تحفظ من كرامة، وبما تبقيه من سلام في حياة الناس. إن أعظم انتصارات الجيش أحياناً ليست تلك التي تُكتب في نشرات الأخبار، بل تلك التي لا يراها أحد: ليلة هادئة، حدود آمنة، طفل يذهب إلى مدرسته، ومزارع يعود إلى حقله دون أن يسأل من وقف في آخر الليل حارساً لهذا الصباح. وهنا تكمن فلسفة الجندية الأردنية: أن يحمل الإنسان السلاح دون أن يفقد إنسانيته، وأن يكون قوياً دون أن يتخلى عن الرحمة، وأن يقف مستعداً للحرب من أجل أن يبقى السلام ممكناً. تلك هي المفارقة النبيلة؛ فالجندي لا يحب الخطر، لكنه يذهب إليه كي لا يصل إلى الآخرين. إنني حين أستحضر سيرة والدي، لا أستحضر رقماً عسكرياً فقط، بل أستحضر درساً في الوفاء. فالرقم 697 لم يكن رقماً في سجل، بل شاهد على بدايات، وعلى رجال حملوا عبء التأسيس بصمت. ومن هنا، يصبح يوم الجيش بالنسبة لي مناسبة عائلية ووطنية في آن واحد؛ مناسبة أرى فيها الأردن من خلال إرث البيت، وأرى البيت من خلال تاريخ الأردن. يوم الجيش العربي الأردني هو يوم للذاكرة، لكنه أيضاً موعظة للمستقبل: أن الوطن لا تحرسه البنادق وحدها، بل تحرسه الأخلاق، وتحرسه وحدة الناس، وتحرسه الثقة بين الشعب ومؤسساته. فإذا كان الجيش درع الوطن، فإن وعي المواطن هو روحه. سلام على نشامى الجيش العربي الأردني، وسلام على الرعيل الأول، وعلى الآباء الذين تركوا لنا أكثر من أسماء وصور؛ تركوا لنا معنى الشرف. وفي يوم الجيش، أجدني لا أكتب عن مؤسسة فقط، بل عن إرث عائلة، وعن أبٍ علّمني أن الأردن لا يُحب بالكلام، بل بالوفاء. .

Go to News Site