كنتُ صبيًّا في السبعينيات… حين تصبح الذاكرة وطنًا
jo24.net

كنتُ صبيًّا في السبعينيات… حين تصبح الذاكرة وطنًا

خاطرة صباحية في هذا الصباح، تحضر صفحات رواية "كنتُ صبيًّا في السبعينيات" للكاتب محمود عبدالشكور كنافذةٍ على زمنٍ مضى، لكنه لم يغب. ليست مجرد ذكريات طفولة، بل محاولة لفهم مرحلة كاملة من تاريخٍ تشكّل فيه الوعي، حيث تختلط تفاصيل الحياة اليومية بتحولات كبرى صنعت ملامح جيلٍ كامل . خاطرة مسائية في المساء، حين أعود إلى هذا الكتاب بوعيٍ أعمق، أراه نصًا كُتب من مسافةٍ زمنية ناضجة، وقد صدر عام 2015، وكأن هذه المسافة كانت ضرورية ليُعاد فهم تلك المرحلة. فالزمن لا يكشف نفسه ونحن نعيشه، بل حين نعود إليه، بعد أن نصبح قادرين على تأمله. وأنا، كطيارٍ متقاعد تجاوزت السبعين، لا أقرأ هذا الكتاب من موقع القارئ فقط، بل من موقع الشاهد. لقد عشتُ السبعينيات، لا كذكرى، بل كواقعٍ يومي، وشهدتُ جيلًا بكل ما فيه من بساطةٍ وصدقٍ وتحولات لن تتكرر. لذلك، حين أقرأ، لا أستعيد حكاية الكاتب وحده، بل أستعيد جزءًا من حياتي أنا، كأن الذاكرة هنا تصبح مشتركة، تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع السرد الأدبي. وقد قرأت هذا الكتاب في فترة جائحة كورونا، حين أُجبرنا على البقاء في المنازل، وكأن العالم توقّف فجأة. في ذلك الصمت، كان الرجوع إلى الماضي ليس هروبًا، بل محاولة لفهم الحاضر. فبين عزلة الحاضر وضجيج الماضي، أدركت أن الإنسان حين يُحرم من الحركة، يعود إلى ذاكرته كملاذٍ أخير. الكتاب لا يستعيد السبعينيات كزمنٍ جميل فقط، بل كزمنٍ حيّ، مليء بالتناقضات والتحولات، من أحداث كبرى إلى تفاصيل صغيرة، من السياسة إلى الحياة اليومية. وهنا تتجلى الفكرة الأعمق: أن التاريخ لا يُختزل في الأحداث، بل يُفهم من خلال الناس الذين عاشوه. وأنا أقارن بين الأمس واليوم، أرى أننا ربما أصبحنا أسرع، وأكثر اتصالًا، لكننا أقل إحساسًا بالتفاصيل. في السبعينيات، كانت الحياة أبطأ، لكنها كانت تُعاش بعمق أكبر. أما اليوم، فنمرّ بالأيام دون أن نلتقط معناها. الحكمة التي أخرج بها أن الزمن لا يُقاس بطوله، بل بعمق أثره فينا، وأن بعض المراحل، مهما ابتعدت، تظل أقرب إلينا من حاضرٍ لا نشعر به. أما الموعظة فهي أن لا نترك أيامنا تمرّ دون وعي، لأننا سنعود إليها يومًا، ونبحث فيها عن معنى لم نلتقطه حين كان بين أيدينا. وفي هذا المساء، أدرك أن رواية "كنتُ صبيًّا في السبعينيات" ليس كتابًا عن الماضي فقط… بل مرآة نرى فيها أنفسنا، ونفهم من خلالها أن بعض الأجيال لا تتكرر، لكنها تظل حيّة فينا ما حيينا. .

Go to News Site