الأخلاق الصهيونيّة وروح الرأسماليّة!
jo24.net

الأخلاق الصهيونيّة وروح الرأسماليّة!

عنوان هذا المقال مُستلهم من الكتاب المهم والأساسيّ لعالم الاجتماع الألمانيّ "ماكس فيبر" الذي نُشر سنة 1904 بعنوان: "الأخلاق البروتستانتيّة وروح الرأسماليّة". هذا الكتاب يصف (وإن كان لا يشرح تماماً) علاقة التعزيز المتبادل (هو لم يصف العلاقة بذلك صراحةً) بين البروتستانتيّة، وتحديداً البروتستانتيّة التطهّريّة (البيوريتاريان) والكالفنيّة، و"الرأسماليّة" المتمدّدة والمستشرية في حينه، والآخذة بالهيمنة شيئاً فشيئاً على جميع مناحي الحياة (بما في ذلك الثقافة والأفكار). فالرأسماليّة مثّلت للتطهّريّين والكالفنيّين الوسيلة والأداة لامتلاك الدنيا، وذلك تمهيداً للزهد فيها بعد امتلاكها، بكون الخلاص الحقيقيّ من خطيئة أبينا آدم الأولى لا يتحقّق إلا بهذه الطريقة، ولا يكفي فيه زهد العاجز، ومجرد الاعتراف بالمسيح مُخلّصاً لكي تنال المرء شفاعته كهذا ببساطة. والبروتستانتيّة التطهّريّة والكالفنيّة، والتي تنهل من التوراة المُحرّفة (العهد القديم)، بكون الإنجيل (العهد الجديد) بحكم تسامحه وتحريمه للربا لا يمنحها الذخيرة والذريعة اللازمة لمشروعها "الدنيويّ".. هذه البروتستانتيّة مثّلت للرأسماليّة الجانب الروحيّ أو المعنويّ الذي يضفي عليها "الشرعيّة" بالمفهوم الدينيّ لكلمة شرعيّة، ويسبغ الوجاهة والقيمة والأخلاقيّة على سعيها الدائب ولهاثها المحموم للكسب، والمزيد من الكسب، ومراكمة الفائض بلا حدود، وإقامة الفردوس المنشود الآن وهنا على الأرض (الفردوس البشريّ الماديّ الأرضي عوضاً عن الفردوس الإلهي السماويّ). بكلمات أخرى، البروتستانتيّة عموماً، والتطهّريّة والكالفنيّة على وجه الخصوص، هي النسخة الرأسماليّة من المسيحيّة؛ أي المسيحيّة وقد أُعيد تعريفها وفق شرط الرأسماليّة وبما يعزّز مبادئها ويخدم غاياتها. والكاثوليكيّة أيضاً في التجربة الأوروبيّة قد تمّ احتواؤها رأسماليّاً، ولكن ما حُرِف وحُرّف في الكاثوليكيّة هو "الشريعة"، في حين أنّ ما حُرّف في البروتستانتيّة هو أساس المعتقد نفسه. وما حدث للمسيحيّة يحدث حاليّاً للإسلام (وسائر الأديان والمعتقدات والإيديولوجيّات في العالم)؛ وعليه يمكن وفق هذا المنظور اعتبار "السلفيّين" ومن لفّ لفيفهم هم المكافئ الإسلاميّ للبيرويتانيّة والكالفنيّة في المسيحيّة (تشدّد ديني ظاهر وتمسّك بالدنيا باطن)، والأخوان المسلمون ومَن لفّ لفيفهم وعموم إسلام وزارات الأوقاف والداخليّة والتربيّة والتعليم (بذرائعيّتهم وبرغماتيّتهم) هم "كاثوليك" الإسلام! بالنسبة للصهيونيّة، والتي ابتدأت كتيار فكريّ في أوروبا بين مفكّرين مسيحيّين وليسوا يهوداً في إطار السعي لإيجاد حلّ لـ "المسألة اليهوديّة" (على غرار المسألة الشرقيّة)، أي التخلّص من اليهود الأوروبيّين وإعادة توطينهم في مكان آخر خارج أوروبا المسيحيّة.. ثمّ تحوّلت (أي الصهيونيّة) إلى "مشروع" على يدّ مجموعة من الأثرياء اليهود في أوروبا الغربيّة، لا بصفتهم يهوداً، بل بصفتهم أثرياء ورأسماليّين يريدون الحفاظ على امتيازاتهم داخل المجتمعات الرأسماليّة الغربيّة الحديثة، والتخلّص من أفواج اليهود الفقراء الآخذين بالتدفّق من أوروبا الشرقيّة خشية أن يؤثّر هؤلاء على مكانتهم ومصالحهم.. هذه الصهيونيّة، تشترك مع البروتستانتيّة (وبالتالي الرأسماليّة) في أنّها تنهل هي أيضاً من الخرافات والتهويمات والتحريفات التوراتيّة والتلموديّة لـ "العهد القديم"، وذلك مرّةً أخرى بكون تسامح الإنجيل/ العهد الجديد بنسخته المُستقرّة، ونبذه للعنف، ودعوته للزهد، ورفضه للغش والخداع والتحايل والربا.. لا يلبّي ولا يخدم الغايات الصهيونيّة والرأسماليّة. ومن هذا التقاطع في "المرجعيّات"، والتقاطع في "المصالح" و"الغايات"، جاء تبنّي المشروع الرأسماليّ الإمبرياليّ الغربيّ للمشروع الصهيونيّ الناشئ، وترجمة ذلك عمليّاً من خلال "وعد بلفور"، ومن ثمّ إنشاء الكيان الصهيونيّ المُسمّى "إسرائيل" والاعتراف به كـ "دولة شرعيّة" ليكون واجهةً وقاعدةً متقدّمةً لمصالح النظام الرأسماليّ العالميّ في المنطقة. ولكن ما حدث منذ تلك النقطة صعوداً أنّ الصهيونيّة قد بدأت بغزو المسيحيّة وغزو الرأسماليّة شيئاً فشيئاً، وهو ما يتبدّى من خلال عقائد وكنائس "المُتجدّدين" المُتصهينة (والمتصالحة مع كلّ مظاهر الشذوذ التي تروّجها ما تُسمّى منظمات المجتمع المدنيّ الجديدة التي حلّت محلّ المؤسسات الأهليّة والخيريّة التقليديّة)، ومن خلال تغلعل "المتصهينين" عبر مختلف مستويات الدوائر السياسيّة ودوائر صنع القرار الغربيّة، سواء لدى المحافظين (المحافظون الجدد)، أو الليبراليّين (النيو-ليبراليّة)، أو حتى اليساريّين بمختلف أطيافهم (اليسار الليبراليّ الجديد). وهكذا، وبلغة "ماكس فيبر"، فإنّ "الأخلاق الصهيونيّة" (أو بالأحرى اللا-أخلاق الصهيونيّة بكونها قائمة على العنف والعنصريّة واستباحة الأغيار) قد حلّت محل "الأخلاق البروتستانتيّة" (التي غدت بدورها تقليديّة وغير مواكبة لمسار التقدّم)، وأصبحت (أي الأخلاق الصهيونيّة) بمثابة "الروح الجديدة" للرأسماليّة وللنظام الرأسماليّ العالميّ! أي أنّ الصهيونيّة قد أصبحت "دين الرأسماليّة"، والرأسماليّة أصبحت "مشروعاً صهيونيّاً" حتى النخاع! ومن هنا نستطيع أن نفهم سرّ ذلك التناقض العجيب داخل دوائر صنع القرار الغربيّة، وإصرار المتصهينين داخل هذه الدوائر على اتخاذ قرارات تنحاز لصهيونيّتهم التي تنتظم عبر محافلهم وشركاتهم.. على حساب مصالح دولهم وشعوبهم وأمانهم المعاشيّ وسلمهم الاجتماعيّ واستقرارهم السياسيّ وتفوقهم الإستراتيجيّ على المدى البعيد. ونستطيع أن نفهم سرّ تلك اللوثة لتحويل "الكيان الصهيونيّ" المُسمّى "إسرائيل" من مجرد "كيان وظيفيّ" يخدم مصالح النظام الرأسماليّ العالميّ، إلى "دولة مركزيّة" أو حتى "الدولة المركزيّة" في هذا النظام، من خلال ما تُسمّى "إسرائيل الكبرى"، وذلك على حساب هيمنة ونفوذ بقيّة الدول المركزيّة الحاليّة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكيّة. بكلمات أخرى، أن تكون رأسماليّاً وفق شروط مشروع "النظام الرأسماليّ العالميّ الجديد" أصبح يعني أن تكون "صهيونيّاً" وأن تكون "إسرائيليّاً" بالضرورة! وكلّ رأسماليّ، يتبنى ويستلهم بوعي أو دون وعي قيماً رأسماليّةً، ويسلك بقصد أو دون قصد في معاشه وتصريف شؤونه وتفاصيل حياته اليوميّة سلوكاً رأسماليّاً.. هو من حيث يدري ولا يدري "صهيونيٌّ" بالضرورة، و"إسرائيليٌّ" بالضرورة، و"يهوديٌّ وظيفيٌّ" بالضرورة، بغض النظر عن أصله وفصله، وانتمائه العرقيّ والإثنيّ، واسمه الرابع، والديانة المكتوبة في شهادة ميلاده، والجنسيّة التي يحملها سواء أكانت جنسيّة أصليّة أم مكتسبةً أم اشتراها بحُرّ ماله باسم "تشجيع الاستثمار" و"اجتذاب المستثمرين"! وتستوي في ذلك الدول (إسلاميّةً وغير إسلاميّة، علمانيّةً وغير علمانيّة).. والحكّام والنخب الحاكمة (أيّا كانت أنظمة الحكم وصيغه).. والمثقّفون والأكاديميّون والمُفكّرون (الذين أُشربوا في قلوبهم عِجْل الحضارة الغربيّة ومشروع حداثتها الذي هو في جوهره رأسماليّ وصهيونيّ هو الآخر).. وأرباب المال والأعمال، من أكبر "صيرفيّ" أو "بزنس مان" عابر للقارات، أو تاجر سلاح وحروب ودمار، أو سمسار قتل وفوضى وقلاقل.. إلى أصغر تاجر "بوابير" و"مصابيح" كاز كانت بضاعته حتى الأمس يعلوها الغبار، واليوم قرّر أن "يغتنم الفرصة" ويثبت "شطارته" و"فهلوته" من خلال دوبلة أسعارها أضعافاً مضاعفة، متذرّعاً بـ "قوانين السوق" الميكانيكيّة الآليّة الحتميّة (بمعزل عن إرادة الأفراد واختيارهم)، وقانون "العرض والطلب" الذي يسري مسرى القرآن المُنزَل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه! بل ويستوى مع هؤلاء حتى "رجل الشارع" البسيط البريء الزاهد العابد الصائم القائم، والذي لا يتيح له موقعه الحالي وحدود قدرته واستطاعته التعبير عن "الرأسماليّ" و"الصهيونيّ" الكامن داخله، ولكن متى ما سنحت له الفرصة لذلك (وحبذا لو كانت هذه الفرصة على شكل فلتة حُكْم أو ثورة برتقاليّة مدعومة من الخارج)، فالويل ثمّ الويل للآخرين وللأوطان وللتاريخ ولله نفسه من شراسة هذا "الرأسماليّ" و"الصهيونيّ" الذي أفلتَ فجأةً من عقاله! باختصار، أنت لا تستطيع أن تكون رأسماليّاً ومسلماً في نفس الوقت، أو رأسماليّاً ومسيحيّاً في نفس الوقت، أو حتى رأسماليّاً وعلمانيّاً في نفس الوقت؛ فالرأسماليّ، أيّ راسماليّ، وفق شروط رأسماليّة اليوم، هو صهيونيّ بالضرورة، وإسرائيليّ بالضرورة.. ومرّة أخرى تستوي في ذلك الدول والأنظمة، وتستوي الشعوب والمجتمعات والجماعات وصولاً إلى أصغر فرد فيها! .

Go to News Site