عكاظ عاجل
تكبر «الأسرة» وتتوطد روابطها بالأبناء؛ غير أن تقلبات الحياة تكشف عن اختلافات تؤدي إلى النزاع والمشاحنات، مما يزعزع أركان البيت ويفكك الروابط حتى يقع الانفصال.هنا ندرك، أن الرباط الوحيد الدائم في هذه المعادلة هم «الأبناء»، وتصبح المهمة أصعب بعد الفراق، فتعويض جو الأسرة أمر معقد يحتاج إلى جهد مضاعف وصبر كبير وتعاون مشترك، ولا يصح وصف هذا الجهد بالتضحية، بل هو واجب أصيل لا يحق لأي طرف الانسحاب منه (كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته).لقد أنتجت تجارب «الانفصال» نماذج مختلفة من الأطفال؛ منهم من نشأ بشكل سليم بفضل وعي والدين أدركا أن الابتعاد هو الحل لخلق بيئة هادئة لصغارهم. وعلى النقيض تماماً؛ هناك من عاش المعاناة وتحمل أخطاء الكبار فأصبحوا وسيلة للانتقام وتفريغ الغضب، لينشأ جيل مضطرب نفسياً ومهزوز فكرياً بسبب آباء نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وتجاهلوا أن هؤلاء الأبناء كانوا يوماً أمنية غالية.«أبو العلاء المعري»؛ لخَّص تجربته بنظرة تشاؤمية، بقوله: «هذا ما جناه أبي عليّ، وما جنيت على أحد»، إذ رأى في الإنجاب جناية أوقعته في المشقة، فتبنى فلسفة ترفض الإنجاب وتخالف الفطرة السوية، ويرى أن عدم الوجود خير من العيش في معاناة.إننا نلتقي الكثير من أمثال المعري في حياتنا؛ أطفال تظهر سلوكياتهم حجم الاضطهاد والصراع النفسي الذي يعيشونه، وإن لم يعبروا عنه بوضوح، ونجدهم عندما يكبرون قد أصبحوا خطراً على المجتمع نتيجة رغبة في الانتقام من ماضٍ قاسٍ لم يستطيعوا التحرر منه.وفي عالم العائلة يضطر بعضنا أحياناً للاختيار بين أمرين أحلاهما مر، لتبحر السفينة بأقل الأضرار وننقذ ما يمكن إنقاذه، وكما قال «دوستويفسكي»: «أنْ تختار ألماً من أصل ألمين، وأن تبتر جزءاً منك لتنقذ الجزء الآخر»، هذا هو خيار العقل الذي نحافظ به على وجودنا قدر الإمكان.العائلة عطاء الله، وأساس المجتمع، ونافذة الحياة، واختبار مملوء بالحكمة والرحمة، وحسن تربية الأبناء هو ثمرة الشاكرين لنعم الله، ومسؤولية عظيمة سنحاسب عليها، يوم يُسأل كل إنسان عما استأمنه الله عليه (وقفوهم إنهم مسؤولون)، فنحن مسؤولون عن نشأتهم، وبناء أساسهم، ومنحهم حقوقهم، والأمان والاحتواء.
Go to News Site