Shafaq News
علي حسين فيلي/ في هذا العام، ومع انقلاب الفصول في بلاد كان يفترض أن تتمايل فيها أشجار البلوط إلى جانب النخيل احتفاءً بنوروز، وأن تتعالى فيها تكبيرات عيد الفطر بوصفها نشيداً للسكينة والرجاء، جاءت الحرب لتستبيح الفرح وتختطف من الناس أعماراً وأياماً لن تعود. لقد تلاقى قطبا السعادة أمام آفاق أعيننا المتعبة، تعانق نوروز، بوصفه النداء الأزلي لانبعاث الأرض وتجدد الحياة، وعيد الفطر، بما يحمله من صفاء العبادة وطهر الروح، لكن هذا التلاقي النادر لم يأتِ في فضاء مفعم بالأمان، بل في جغرافيا يعلو فيها دخان البارود على عطر الربيع، وتغلب فيها مشاهد القلق على اخضرار الأرض. وفي عراق هو مهد الحضارات وذاكرة التاريخ الحي، بدت الصورة مثقلة بالوجع، كأن البلاد تكتب عيدها بالحزن لا بالضوء. لم يعد نوروز هذا العام في كوردستان مجرد رمز بإيقاد الشعلة فوق قمم الجبال، بل صار بركاناً يغلي في صدور الناس المتمسكين بهويتهم في وجه التهديد والاعتداء. وكذلك لم يعد عيد الفطر في عراق أنهكته الخيبات مجرد مناسبة دينية عابرة، بل تحول إلى امتحان قاسٍ للصبر والثبات في ظل الخوف والاضطراب. فالحرب حين تفرض نفسها على حياة الناس لا تصيب أهدافها المعلنة فقط، بل تغتال أحلام الأطفال، وتسرق من العائلات طمأنينتها، وتحوّل الأعياد إلى مواسم ترقب وحذر. السلام يحتاج دائماً إلى شجاعة أكبر من تلك التي تتطلبها الحروب. ولهذا يبدو الحديث عن العيد مؤلماً في لحظة تتراجع فيها المنطقة نحو مزيد من الانهيار السياسي والإنساني، بدل أن تتقدم إلى الإعمار والاستقرار. وفي ظل الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، تبدو كوردستان جرحاً مفتوحاً يختصر مظلومية سكانها، فيما تكشف مشاهد جنوب العراق وغربه والغرب العراقيين أن ربيع هذا العام أُخذ أسيراً قبل أن يكتمل. إن أولئك الذين جعلوا من المنطقة ساحة لحرب "غير مقدسة"، هم أنفسهم من شطبوا المناسبات السعيدة من قاموسنا، وهم ذاتهم من تضغط أصابعهم على زناد الفتن لكي تذرف شعوب المنطقة الدموع؛ ورغم أن منطقهم يعتبر دماء الأبرياء مجرد "وقود" لمحركاتهم الجحيمية، إلا أنهم لن يستطيعوا سلب هذا الشعب أحلامه بربيع خال من الرصاص، ينعم بالأمن والوئام. الذين حوّلوا هذه الأرض إلى ساحة لحرب غير مقدسة، هم أنفسهم الذين شطبوا الفرح من الروزنامة اليومية للناس. وهم أنفسهم من تضغط أصابعهم على زناد الفتن، غير آبهين بدماء الأبرياء ولا بمصائر العائلات التي وجدت نفسها رهينة صراعات مع من يتعامل مع الدم بوصفه وقوداً لمشاريعه، فإنهم لن ينجحوا في انتزاع حلم العراقيين بربيع خالٍ من الرصاص، وبوطن يستعيد سكينته وقراره. العيد الحقيقي لهذا الشعب لا يحدده التقويم وحده، بل يكتبه اليوم الذي يخرج فيه العراق من أسر الوصايات والأجندات الخارجية، ويعود وطناً آمناً لأبنائه جميعاً. ذلك اليوم هو العيد الذي تستحقه هذه البلاد، يوم تحل الطمأنينة محل الانفجارات، وتعلو أصوات الناس في الأزقة العامرة بالحياة لا بدويّ الصواريخ والمسيّرات. يوم تمتلئ الموائد بالفرح بدل القلق، وتصبح الأعياد مناسبة للحياة لا استراحة قصيرة من الخوف. العراقيون لا يريدون فردوساً يُبنى على أنقاض مدنهم، ولا وعوداً سياسية تمر فوق جراحهم. ما يريدونه أبسط وأعمق من ذلك كله. يريدون حياة لا تختلط فيها رائحة الخبز برائحة البارود، ولا يجاور فيها العيد ظل الخيانة أو الخوف. يريدون استقلالاً حقيقياً في القرار، وكرامةً مصونة، ومستقبلاً لا تكتبه الحروب ولا ترسمه القوى الغريبة على حساب مصير هذا الوطن وأجياله.
Go to News Site