صحيفة البلاد البحرينية
في مشهد يعكس اختلال ميزان القوى أكثر مما يعكس توازنه، برزت في الأيام الأخيرة وثيقتان متناقضتان تكشفان عن حجم الفجوة بين واشنطن وطهران، وتعيدان رسم مسار التفاوض المقبل بين الطرفين. الوثيقة الأميركية، التي تتضمن 15 بندا، جاءت واضحة وحاسمة؛ إذ ركزت على تفكيك كامل للقدرات النووية الإيرانية، ومنع التخصيب داخل الأراضي الإيرانية، وتسليم اليورانيوم المخصب، إضافة إلى إخراج مواقع نطنز وأصفهان وفوردو من الخدمة. كما توسعت لتشمل تقليص النفوذ الإقليمي، عبر اشتراط وقف دعم المليشيات والتخلي عن نهج “الوكلاء”، مع تأكيد إبقاء مضيق هرمز مفتوحا. وعرضت واشنطن حوافز اقتصادية مشروطة، بما يعكس ثقة بقدرتها على فرض شروطها في ظل استمرار الضغوط. في المقابل، تعكس الطروحات الإيرانية المتداولة اتساع الفجوة بين الطموح والواقع؛ إذ لم تقتصر على الملف النووي، بل ذهبت إلى مطالب تتجاوز قدرتها التفاوضية، مثل إغلاق القواعد الأميركية ودفع تعويضات وفرض ترتيبات جديدة لمضيق هرمز. هذه المطالب تُقرأ على نطاق واسع باعتبارها محاولة لرفع السقف التفاوضي وتخفيف وطأة الضغوط، أكثر من كونها تعبيرا عن قدرة فعلية على فرض شروط مقابلة. وفي تحليل لـ “البلاد”، رأى المستشار السياسي الخبير بالشأن الأميركي د. أحمد الخزاعي، أن هذا التباين يعكس واقعا واضحا، إذ تفاوض واشنطن من موقع الضغط والسيطرة، فيما تحاول طهران المناورة سياسيا لتعويض تراجع أوراقها، عبر توسيع نطاق التفاوض إلى قضايا إقليمية لا تمتلك فيها أدوات حاسمة. ورجّح الخزاعي أن المخرج الأقرب يتمثل في اتفاق جزئي مرحلي، يركز على الملف النووي وضمانات الملاحة في مضيق هرمز، مع تأجيل القضايا الأكثر تعقيدا مثل الصواريخ الباليستية والقواعد الأميركية، وهي ملفات تدرك طهران صعوبة فرض شروطها فيها بالمرحلة الحالية. وبحسب التقديرات، فإن السيناريو الأكثر واقعية في المدى القريب هو تفاهم محدود يعكس تراجع القدرة الإيرانية على فرض شروطها، مقابل نجاح واشنطن في تثبيت خطوط حمراء واضحة؛ ما يبقي المشهد في إطار “اللاحرب واللاسلم”، ولكن مع كفة تميل بشكل متزايد لصالح الولايات المتحدة.
Go to News Site