Collector
Giriş Yap
حصار ترامب لكوبا | Collector
حصار ترامب لكوبا

حصار ترامب لكوبا

أرطغرل جينغيل - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس بعد أن عجزت الولايات المتحدة عن تحقيق "النصر السريع" الذي كانت تبحث عنه في الحرب مع إيران، والتي تحولت إلى قصة لا تنتهي تتأرجح بين وقف إطلاق النار والحصار، وبين الحرب والسلام، تستعد الآن لتفريغ فاتورة إحباطها الاستراتيجي العميق في كوبا. وخلال الفترة الأخيرة، تنفذ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجية "الضغط الأقصى" متعددة المستويات ضد كوبا، تشمل الحصار المالي والضغط في مجال الطاقة، والعمليات الاستخباراتية، والعزل الدبلوماسي، وحتى التحركات العسكرية. وبعد أن عجز ترامب عن الخروج من المستنقع الحربي في إيران، الذي دخل إليه بتحريض من إسرائيل المتهمة بارتكاب الإبادة الجماعية، يسعى الآن إلى تحويل الأنظار نحو اتجاه آخر وتقديم "نصر سهل" للرأي العام الأمريكي وللكتلة الانتخابية المتشددة. ولهذا السبب تحديدًا، أصبحت كوبا، التي يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة والتي أُنهكت لسنوات طويلة تحت وطأة الحصار، مختبرًا جديدًا لأوهام القوة الأمريكية. وفي إطار تسريع سياساته التوسعية في عموم القارة، ضيّق ترامب من قدرة حكومة هافانا على الوصول إلى النظام المالي الدولي، وأعلن تشديد تطبيق الحصار الاقتصادي على كوبا. وتركز واشنطن بشكل خاص على مجموعة الأعمال العملاقة "GAESA" التي يديرها الجيش الكوبي. ووفقًا للولايات المتحدة، فإن هذه الشركة الحكومية القابضة تُمكّن الجيش الكوبي من السيطرة المباشرة على العديد من القطاعات الاستراتيجية، من السياحة إلى الخدمات المصرفية، ومن الخدمات اللوجستية إلى الخدمات المالية. ومن خلال نموذج "العقوبات الثانوية" الذي أطلقته وزارة الخزانة الأمريكية، يتم تشديد الضغوط على عمليات تحويل الأموال الخاصة بالمؤسسات المالية المرتبطة بالجيش الكوبي. كما تهدد واشنطن الشركات والبنوك الأوروبية والكندية واللاتينية التي تتعامل تجاريًا مع كوبا بإقصائها من النظام المالي الأمريكي، دافعةً الجزيرة نحو عزلة عالمية خانقة. ويُنظر إلى هذا النهج باعتباره نسخة معدلة من هيكل العقوبات المفروض على إيران، ولكن هذه المرة موجهة ضد كوبا. استراتيجية أمريكا لخنق كوبا وكان الضغط في قطاع الطاقة من أبرز خطوات إدارة ترامب. فبعد العقوبات الأمريكية التي استهدفت شحنات النفط، ولا سيما القادمة من فنزويلا، شهدت كوبا انقطاعات كهربائية طويلة وصلت إلى 20 ساعة يوميًا، إلى جانب أزمات وقود، وتعطل في وسائل النقل، وتراجع في الإنتاج. ولا يقتصر هدف ترامب على فرض ضغط اقتصادي فحسب، بل يسعى أيضًا إلى إضعاف قدرة النظام على الإدارة، وتوسيع دائرة السخط الاجتماعي في الداخل، وتحقيق تغيير في السلطة. ووفقًا للخطاب الأمني الجديد في واشنطن، تُعد هافانا قاعدة مهمة لأنشطة التنصت الإلكتروني الصينية، وشبكات الاستخبارات الروسية، والتعاونات الأمنية المرتبطة بإيران. كما تشير الاتصالات والتحذيرات الصارمة التي وجّهها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) جون راتكليف إلى هافانا إلى تصاعد هذه المخاوف الأمنية. وفي الوقت نفسه، لوّح ترامب بخيارات عسكرية مباشرة من خلال طرح "بعض الأمور" التي لم يجرؤ الرؤساء السابقون على طرحها. وفي الفترة ذاتها، لفت الانتباه توجيه حاملة الطائرات "يو إس إس نيميتز" إلى منطقة الكاريبي، وزيادة المناورات البحرية في المنطقة، وتكثيف العمليات الأمنية حول كوبا. وأخيرًا، اعتُبر قرار إعداد لائحة اتهام بحق الزعيم الكوبي السابق راؤول كاسترو، الذي بلغ الخامسة والتسعين من عمره، أمام المحاكم الأمريكية على خلفية حادثة إسقاط طائرة عام 1996، أعلى مراحل استراتيجية تجريم النظام الكوبي. وفي الأوساط الأمنية والرأي العام الأمريكي، يجري الحديث عن احتمال تنفيذ عملية ضد كوبا على غرار "النموذج الفنزويلي". ولهذا السبب، تبرز أوجه الشبه بين السياسة التي اتبعتها واشنطن تجاه ملف نيكولاس مادورو والأجواء السائدة اليوم تجاه كوبا. مفارقة أصول روبيو وفي مقدمة الشخصيات الأكثر إثارة للجدل في هذا المشهد، يقف بلا شك وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. فهو جزء من قصة عائلة مهاجرة غادرت كوبا ولجأت إلى الولايات المتحدة بسبب الضغوط السياسية والصعوبات الاقتصادية التي كانت تعيشها الجزيرة. أما اليوم، فقد أصبح روبيو أحد أكثر مهندسي العقوبات تشددًا ضد الشعب الذي تنتمي إليه جذوره. وهذا لا يمثل مجرد تناقض سياسي، بل يشكل أيضًا قطيعة تاريخية وأخلاقية عميقة. لأن ثمن السياسات التي يدافع عنها روبيو يدفعه سكان المدن الغارقة في الظلام، وكبار السن الذين لا يجدون الأدوية، والشباب الذين يقفون لساعات طويلة في طوابير الخبز. ومع ذلك، لا يزال روبيو يدافع عن هذا المشهد بأكمله بلغة "النضال من أجل الحرية". غير أن ما يتشكل على أرض الواقع ليس حرية، بل استراتيجية لإحداث انهيار اجتماعي عبر الخنق الاقتصادي. فالعقوبات المفروضة باسم "الحرية" المزعومة تزيد من فقر الشعب، وتظلم مستقبله، وتدمر النظام الصحي، وتفاقم أزمتي الكهرباء والغذاء. وروبيو، الذي يتهم الحكومة الكوبية بـ"الحكم على الناس بالمعاناة"، يُنظر إليه اليوم باعتباره أحد أكثر المدافعين شراسة عن السياسات التي تؤدي إلى مزيد من الخنق الاقتصادي للشعب نفسه. وبعد أن صعد في الحياة السياسية بوصفه ابن عائلة مهاجرة، أصبح اليوم من أبرز السياسيين الذين يهيئون الظروف التي ستجبر آخرين على الهجرة. إن السياسات المتشددة والمتناقضة التي ينتهجها وزير الخارجية الأمريكي روبيو تمثل واحدة من أكثر صور الاغتراب عن الجذور لفتًا للانتباه. صراع لا ينتهي وعمليات تخريب وكالة الاستخبارات المركزية إن الصورة التي نتجت عن الخطوات الصارمة لإدارة ترامب بقيادة روبيو تشير إلى استراتيجية هجينة تتكون من الحصار الاقتصادي، وحرب الطاقة، والعزل المالي، والتنافس الاستخباراتي، والضغط من أجل تغيير النظام. وفي الواقع، فإن الصراع المستمر منذ ما يقرب من سبعين عامًا بين كوبا والولايات المتحدة لا يقتصر على التوتر الدبلوماسي بين دولتين، بل يمثل إحدى أطول جبهات الصراع في مجالات الأيديولوجيا والاستخبارات والحرب الاقتصادية والتنافس على النفوذ العالمي. وهذا التاريخ الممتد من محاولات الانقلاب إلى عمليات التخريب، ومن خطط الاغتيال إلى الحصار الاقتصادي، هو قصة "حرب ظل" لم تهدأ في منطقة الكاريبي منذ عقود. لقد اعتُبرت الثورة التي قادها فيدل كاسترو عام 1959 وأطاحت بنظام باتيستا المدعوم من واشنطن ضربة تاريخية للنفوذ الأمريكي في الكاريبي. ومنذ ستينيات القرن الماضي، أصبحت العمليات التي أدارتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية من أكثر صفحات الحرب الباردة إثارة للجدل. وفي عام 1961، تحولت عملية إنزال خليج الخنازير، التي نُفذت بواسطة كوبيين منفيين بدعم من الـCIA، إلى رمز لمحاولات واشنطن المباشرة لتغيير النظام. فقد نُقل إلى كوبا نحو 1400 عنصر تلقوا تدريبهم من الولايات المتحدة بهدف إسقاط فيدل كاسترو، إلا أن العملية انتهت بهزيمة تاريخية لأمريكا بفعل مقاومة الشعب الكوبي. ومن أكثر الفصول ظلمة في تاريخ الاستخبارات الأمريكية محاولات الاغتيال التي نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية ضد فيدل كاسترو. ووفقًا للمصادر الكوبية، تجاوز عدد المحاولات التي استهدفت كاسترو 600 محاولة، تراوحت بين السيجار المسموم والأصداف البحرية المتفجرة، وبدلات الغوص المسمومة، وفرق الاغتيال المرتبطة بالمافيا، والحبوب السامة، وعمليات التخريب. وكان هذا الجهد الهائل الذي بذلته واشنطن لاغتيال زعيم دولة من أوضح الدلالات على أن الطموح الإمبريالي لا يعرف حدودًا. وبينما فشلت تلك المحاولات، فإنها عززت مكانة كاسترو داخليًا وسرّعت من وتيرة العلاقات مع الاتحاد السوفيتي. وفي عام 1962، أطلق الرئيس الأمريكي جون إف. كينيدي عملية "النمس" (Mongoose)، وهي برنامج حرب سرية واسع النطاق قادته وكالة الاستخبارات المركزية بهدف إسقاط كوبا من الداخل. وكانت هذه العملية متعددة المستويات تهدف إلى شل الاقتصاد الكوبي عبر التخريب والاغتيالات وتحريض الشعب على التمرد، لكنها جاءت بنتائج عكسية وأدت إلى اندلاع أزمة الصواريخ التي وضعت العالم على حافة حرب نووية. وقد بدأت الأزمة عندما نشر الاتحاد السوفيتي صواريخ نووية في كوبا عام 1962، لتصبح واحدة من أخطر المواجهات في تاريخ البشرية. وأعلنت واشنطن أن الصواريخ السوفيتية في كوبا تشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ففرضت البحرية الأمريكية حصارًا حول الجزيرة. وعاش العالم أيامًا طويلة تحت شبح الحرب النووية. وفي نهاية الأزمة، تراجع الاتحاد السوفيتي، لكن كوبا وُصمت في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية باعتبارها "منطقة تهديد" دائمة. أما الحصار الأمريكي الذي أُضفي عليه الطابع الرسمي عام 1962، فقد أصبح واحدًا من أطول أنظمة العقوبات الاقتصادية في التاريخ الحديث. أما مرحلة الانفراج مع كوبا التي بدأت في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، فقد انتهت مع وصول ترامب إلى الرئاسة. المقامرة الجيوسياسية لترامب واليوم، ومع تعثر إدارة ترامب على الجبهة الإيرانية، تواصل السعي إلى تحقيق "النصر السريع" الذي تبحث عنه قبل انتخابات الثالث من نوفمبر النصفية، من خلال اختبار سياساتها العدوانية في كوبا، بدءًا من الحصار وصولًا إلى الضغوط العسكرية. لقد تحوّل هذا الحصار المتغطرس الذي تنفذه إدارة ترامب عبر ماركو روبيو إلى مقامرة خطيرة لا تختبر دولة جزيرية فحسب، بل تمتحن أيضًا القانون الدولي والاستقرار الإقليمي وشرعية الولايات المتحدة على المستوى العالمي. وقد أثبت التاريخ مرارًا أن أوهام القوة المنفلتة في واشنطن كانت ترتد في كل مرة كأنها بوميرانغ يضرب سمعتها هي نفسها. فأولئك الذين يسعون اليوم إلى إخضاع هافانا عبر خنقها اقتصاديًا، يقدمون بأيديهم المبرر الأكثر شرعية لتعميق الوجود العسكري والاستخباراتي والاقتصادي لقوى عالمية مثل روسيا والصين في الجزيرة. وخلاصة القول، إن المقاومة الكوبية التي لم تنكسر طوال سبعين عامًا رغم الاغتيالات وعمليات التخريب والحصار، تمتلك اليوم أيضًا ذاكرة راسخة أعمق من أن تُضحّى بها في سبيل الاستثمارات الانتخابية لليمين الأمريكي. ورغم أن هذه الحرب الهجينة المظلمة التي تشنها واشنطن قد تنجح في إطفاء الأنوار في الجزيرة، فإن من الصعب عليها أن تطفئ إرادة هافانا في مواجهة استعمار "أمريكا الجديدة".

Go to News Site